أخلاقيات البحث العلمي بين الإلتزام والإلزام

الدكتور خالد الهادي عبد السلام الرفاعي

بمجرد أن ترِدَ عبارة أخلاقيات البحث العلمي وفي أي مقام كان، يلوح أمام المُتلقي طيف من الإنطباعات والأفكار المرتبطة بالشأن الأخلاقي في المجال العلمي، فيذهب أحياناً للسرقات العلمية، ويتجه تارة لتزوير النتائج، وتارة أخرى نحو سرية المعلومات، وما إلى ذلك من القضايا والمواضيع  المقترنة عادة بالبُعد الأخلاقي في المشاريع البحثية المختلفة وفي كافة المجالات العلمية.

إن مبحث أخلاقيات البحث العلمي يُعبر ويمثل ويحتوي ويتضمن كل ما سلف وأكثر، حيث أن هذا الموضوع يتوسع ويتشعب إلى إتجاهاتٍ ومناحٍ عدة كنتيجة منطقية لأهمية البحث العلمي من جهة، ولإرتباطه بكل جوانب الحياة من جهة أخرى، حيث أن العملية البحثية في الأساس عملية تفاعلية بين الباحث ومشروعه البحثي سعياً نحو تحقيق أهداف وبلوغ نتائج تصبو في الأساس إلى خدمة الإنسانية، وهذا ما يُسبغ العملية البحثية بالطابع الأخلاقي في كل مراحلها، ما حدى بالكثير من الأدبيات التي صدرت حول أساسيات وطرق البحث العلمي ومن منطلق تربوي وإلتزام أخلاقي من المؤلفين، تقف عند أهمية توفر الضوابط والمعايير الأخلاقية في جميع المراحل والعمليات البحثية التي يجريها الباحث أو الفريق البحثي.

إن مراعاة المعايير الأخلاقية عند إجراء البحوث العلمية لا يقف عند أهمية وضع القيمة الإنسانية في صدارة العملية البحثية لأجل الإحترام والتقدير لها فحسب، بل أن ذلك له الإنعكاس الإيجابي على درجة الدقة التي ستُسفر عنها نتائج الدراسة البحثية التي يجريها الباحث حيث أن كل مرحلة بحثية هي في الأساس مبينة على ما ورد في المرحلة التي قبلها، الأمر الذي يجعل المشروع البحثي عبارة عن سلسلة من العمليات التتابعية المرتبطِ كل منها بالتي قبلها وتمثل تمهيداً لما سيأتي بعدها بالتالي فإذا حدث خلل في أي من هذه المراحل فإن هذا الخلل سيستمر ويتواصل في باقي الخطوات التالية ما سيُفضي في النهاية إلى نتائج غير دقيقة، بل وربما تكون غير صادقة، وقد تمثل هذه النتائج أساس تُبنى عليه قرارات أو ترسم وفقه إستراتيجات مهمة ومصيرية.

إن طرح قضية أخلاقيات البحث العلمي يقود في العادة إلى جدلية في تطبيق المعايير والمتطلبات الأخلاقية أثناء إجراء المشاريع البحثية نتيجة للتداخل بين مفهومي الإلزام والإلتزم، وهنا يأتي السؤال الفلسفي الفاصل بين هذين المفهومين، هل الباحث أساساً ملتزم ذاتياً بالمعايير والضوابط الأخلاقية، أم أنه وجب إلزامه بإتباعها، وهذا يقود إلى أكثر من إجابة في مجملها كونت هذه الجدلية بين الإلتزام والإلزام.

فمن جهة يفترض على الباحث أن يعي جيداً البُعد الأخلاقي في إنتاجه العلمي مُذ بدءِ فكرته، إنتهاء ببلوغه لنتائجه، وهذا أيضاً مرتبط بجملة من العوامل والإعتبارات، لعل أهمها حجم المعرفة التي يمتلكها الباحث بالمسموح والمحضور اخلاقياً في إجراءات البحث سواء على الصعيد الديني، أو على المستوى القانوني أو في الجانب الاجتماعي.

من جهة أخرى، تبقى النزعات البشرية قائمة ضمن العمليات البحثية التي يجريها الباحث والتي قد تؤدي بشكل مباشر او غير مباشر إلى خرق المنظومة القيمية للمجتمع وذلك سعياً منه لتحقيق أي نوع من المكاسب الشخصية سواء كانت مادية أو معنوية أو كلاهما، ليقع المحضور وينحدر مستوى الإنجاز العلمي نوعاً حتى ولو زاد معدله كماً، ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى مُخرجات متدنية ستقود حتماً إلى عواقب وخيمة أياً كان توظيفها فيما بعد.

الأنكى من ذلك هو أن تسود مثل هذه الممارسات في الوسط العلمي والأكاديمي لتصبح ثقافة سائدة ومنهاج عمل يتوارثه البُحاث من جيل إلى أخر، ويصل بالتالي المجتمع العلمي إلى منحدر خطير يقود بطبيعة الحال إلى مجتمع مبني على قاعدة هشة كنتيجة لإنعدام الواعز الأخلاقي الذي ُيمثل عماد الأمم.

لربما من هذا منطلق جاء مبدأ الإلزام في تطبيق المعايير والمتطلبات الأخلاقية في البحث العلمي وذلك لدفع البُحاث نحو توخي الحذر في كل أعمالهم البحثية وإنتاجهم المعرفي، ومن هنا برزت الضرورة لإيجاد ضوابط وإشتراطات أخلاقية وجب إتباعها أثناء إجراء البحوث العلمية يراعى فيها المباديء والمواثيق التي تضمن حفظ حقوق كل الأطراف المرتبطة بالمشروع البحثي، فشُكلت اللجان الخاصة بمراجعة هذه الضوابط والإشتراطات الأخلاقية وفق ميثاق ودليل عمل يتبعه البُحاث قبل وأثناء وحتى بعد إجراء بحوثهم العلمية.

إن الخروقات الأخلاقية في إجراء البحوث ليست قاصرة على مجتمع بعينه أو جامعة بذاتها ولا تخصص علمي محدد، بل هي قضية عالمية ومنتشرة في أكبر وأعرق الجامعات العالمية، وقد تم ضبط الكثير من العلماء الكبار حول العالم وفي تخصصات مُختلفة صدرت عنهم مخالفات وتجاوزات أخلاقية في مرحلة من مراحل إجرائهم لبحوثهم ودراساتهم، بالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُسم أي جامعة أو بلد أو تخصص ما بأن المنتمين له يعملون دون ضوابط أخلاقية الأمر الذي جعل العالم أجمع يقف عند هذه الظاهرة ويسعى لمكافحتها بشتى السُبل والوسائل.

 جامعة طرابلس ليست إستثناء مما يجري في العالم ولا هي بمنأى عنه، فهي أكبر جامعة ليبية وتمثل بيت خبرة للمجتمع، علاوة على إلتزاماتها المجتمعية عبر تقديم الكوادر والخبرات المؤهلة للمجتمع للمساهمة في بنائهِ ورُقِيهِ، ما حدى بها للعمل وفق المعايير العالمية في إنتاج المعرفة ومراعاة ما تتطلبه من إشتراطات وضوابط، فما كان منها إلا إصدار وثيقة لأخلاقيات البحث العلمي في سابقة من نوعها على مستوى الجامعات الليبية تحمل الهوية الخاصة بها، وتضع في إعتبارها كل التخصصات العلمية دون تحديد، وهذا من منطلق أن كل الخطوات والإجراءات البحثية والمنهجية العلمية في إنجاز المشاريع البحثية واحدة حتى في ظل إختلاف التخصص العلمي طالما تسعى لتحقيق أهداف علمية وتُكتب بلغة أكاديمية.

من هنا، فإن الميثاق الأخلاقي للجامعة لم يأتي إلا كجزء من حزمة من الإجراءات الخاصة بالجامعة للعمل على رفع مستوى المنتوج العلمي والمعرفي، سعياً منها لمواكبة المعايير الدولية المتعارف عليها في إجراء البحوث والدراسات العلمية، وذلك عبر تطبيق ما ورد فيه من بنود عبر لجنة خاصة بأخلاقيات البحث العلمي تسعى لمتابعة تضمين البُحاث للمعاير والضوابط والأشتراطات الأخلاقية في مشاريعهم البحثية.

من الطبيعي أن تظهر بعض الأصوات هنا وهناك والمناهضة لمثل هكذا إجراء، حيث أن الطبيعة البشرية قد ترفض كل جديد حتى تألفه وتتمسك بالسابق حتى تنساه، غير أن هذه الأصوات الرافضة لتطبيق وثيقة أخلاقيات البحث العلمي لها بعض "المبررات" الخاصة حيث أنها تعتقد بأن إجراء من هذا النوع قد يشكل بشكل مباشر أو غير مباشر عقبة أو تعطيل لإجراء البحوث العلمية، بل عامل قد يؤدي إلى التقليل من حجم الزخم في الإنتاج العلمي، وهذا الطرح وبشكل نسبي، يجانبه بعض الصواب في حالِ لم توضع آليات واضحة الملامح ودقيقة في الإجراءات الإدارية التي ستُتبع فيما بعد من قبل اللجنة الدائمة لأخلاقيات البحث العلمي، ولكن ومع مرور الوقت سوف يكون العمل على الحصول على موافقة لجنة أخلاقيات البحث العلمي من ضمن أبجديات البحث العلمي السائدة في الجامعة خصوصاً لو روعي في إشتراط الحصول على هذه الموافقة مبدأ مرحلية التطبيق وذلك على سبيل المثال أن يبدأ الإلزام فقط على طلبة الدراسات العليا لفصلين دراسيين، يليها الإنتاج العلمي لأعضاء هيئة التدريس، ثم كل من يرغب في إجراء أي مشورع بحثي تحت مظلة الجامعة.

بعد فترة من الزمن ومع التعود والتألف بين البُحاث في الجامعة وإتباع هكذا إجراء ستكون الجامعة قد عمِلت على إرساء ثقافة أخلاقيات البحث العلمي في الوسط الأكاديمي، الأمر الذي سيعمل على ترجيح كفة فضيلة الإلتزام على قانونية الإلزام.