تطورات الدلالة وتباينات المعنى

حسين المزداوي

 

في ادراج سابق عبر صفحتي على (الفيسبوك) توقف البعض أمام كلمة متزكرمة، التي تعني في العامية الليبية الزعلانة اللي جايتها قِد قِد، ثم استخدمنا كلمة عامية أخرى هي (مترمبية) وصفا لحالة هيلاري كلينتون بعد خسارتها في الانتخابات، وكان الدافع لهذا الاختيار هو تلك الصلة بين كلمة مترمبي، واسم ترامب، الذي كان خصما بليدا وعنيدا لها، وقد وقع تباين حول معنى الكلمة، هل المترمبي هو المحبط أشد حالات الاحباط، أم هو المتروشق الذي واخذ وعاطي ؟

وعلى هذا المنوال نستطيع أن نحصي كلمات عامية كثيرة: مدردرة . متكوركة . مترمبية . متزكرمة . متخلقنة . متلكمسة . متكنطية . متهذربة . متروشقة ، أو حتى لايد بيها الدجاج الاسود كما عبر عن ذلك بعض الأصدقاء.

وهنا علينا أن نذكر أن الدلالة في اللغة متغيرة وغير ثابتة عموما، وتتغير زمانا ومكانا، ومثلما يقتضي الحال، وأحيانا تعطي معنى معاكسا للمدلول ومخالفا لاشتقاقه الايتمولوجي، وفي هذه الحالة يكون الاشتقاق اللغوي للكلمة بعيدا عن المعنى الحالي المتوطن، ومجرد أطلال عفى عليها المعنى وتقلباته.

ومثلما يحدث للانسان، يحدث أيضا للغة، فزميلك في الدراسة، الذي كان يرتدي أسمالا رثة مثلا، ويردد كلمات من قعر الخابية، تجده وقد التقيته بعد زمن وقد تغيرت سحنته وعلت درجته وزاد فهمه وتغيرت ملابسه، وأصبح ولد بلاد كما يقال، بل هو صاحب البلاد، والجمّال ومولى المال.

وكلمة (صقع) التي كانت تعني البرد حولتها كلمة ساخرة من معمر القذافي الى مصطلح آخر تلقفه الشباب وردوه على القذافي بنفس درجة السخرية إن لم تكن أشد وأنكى.

ومن هنا فدلالة البيت والمنزل والنزلة والنزل والمرقد والمأوى والمسكن والدار والدارة والحوش... الخ تتباين معانيها بين مكان وآخر وزمان وآخر؛ بين الحضر والبدو، أنظر الى كلمة دار في ليبيا، وتعني غرفة واحدة، ولكنها في تونس مثلا تعني بيتا أو منزلا بأكمله.

وأذكر في هذا الصدد أن أحد الأبناء عندما كنا في السعودية وقد أعطتهم المدرسة واجبا مدرسيا، فكان السؤال: هل نعمل هذا الواجب في (الحوش) وكان المقصود المنزل أو البيت، وفجأة انفجر تلاميذ الفصل جميعا بالضحك، لأن معنى كلمة الحوش عندهم في السعودية هي فناء البيت، أي اللايدة.

وأضرب مثلا آخر لكلمة (عيش) فهي في غرب ليبيا تعني البازين، وفي بادية الجبل الأخضر تعني المقطّع أو ما شابهه، وفي مصر تعني الخبز، وفي دول الخليج تعني الأرز، وفي شط الجريد في تونس وجدتها في احدى زياراتي أنها تعني التمر، لأنه غالب القوت فيها ... الخ

فالمدلول الاشتقاقي للكلمة ليس دائما هو الفصل أو المرجع للمعنى، كما يحاول تأكيد ذلك عبدة القاموس من اللغويين، لأن اللغة كائن حي، متمرد على قاموسه، تولد كلماتها وتمرض وتموت، وتسمن وتذبل، وتتبدل وتتلون بلون الأرض التي تنبت فيها.

إذن لا عجب إذا وجدت كلمة عامية أو فصحى تستخدم لديكم بمعنى محدد، ووجدتها في مكان آخر بمعنى يختلف قليلا أو كثيرا عما تعودت به.

 

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي جامعة طرابلس وإنما تعبر عن رأي أصحابها