تقديم كتاب أخلاقيات ممارسة المهن الهندسية

للأستاذ الدكتور صالح محمد عمر أبوغريس

يتطلب الاعتراف بخريجي الجامعات على المستوى العالمي أن يكونوا متخرجين من جامعات معتمدة من قبل مؤسسات الجودة المعترف بها دوليا. ولكي تعتمد الجامعات يجب أن تقوم بتدريس مواد جديدة، إضافة إلى ما كان مقررا سابقا، كمبادئ الاقتصاد والإدارة، والمحافظة على البيئة، والتنمية المستدامة، وأخلاقيات ممارسة المهنة. وانطلاقا من التقرير الذي قُدِّمَ إلى جامعة طرابلس منذ ما يزيد عن سنة عن تطوير التعليم الهندسي في جامعة طرابلس، حاولت القيام بإعداد مقرر لطلبة كلية الهندسة عن أخلاقيات ممارسة المهنة. ووفقت بعون لله في إعداد هذا المقرر خلال السنة الماضية، حيث أعددت منهجا في هيئة كتاب، آملا بأن زملائي من أعضاء هيئة التدريس سيحذون حذوي، وأن يتم إقرار هذه المقررات اللازمة ضمن المناهج سعيا لاعتماد جامعة طرابلس عالميا.

فقد يتساءل المرء أحيانا لماذا يجب دراسة مادة أخلاقيات ممارسة المهنة، ويرى في نفسه أنه سمح الأخلاق، ولا حاجة له في دراستها. ونسي حقيقة الأمر أنه يجب عليه معرفة أن أخلاقه الشخصية ليست محل جدال. فمن يتصف بحسن الخلق الشخصي ليس بالضرورة أن يتميز بأخلاق مهنية محمودة، وهو ما تم توضيحه في الباب الأول. فمثلا، قد يعترض المرء عن العمل في مشاريع عسكرية، ويرى بأنها منافية لأخلاقه الشخصية، ولكن هذا الاعتراض غير مطلوب من قبل الأخلاق المهنية. كما يلاحظ أن الأخلاق المهنية تحث المهندسين على حماية البيئة بغض النظر عن انتماءات أصحاب الأخلاق الشخصية.

ويلاحظ، من جانب آخر، أن الفرق الرئيسي بين دراسة العلوم الفيزيائية والهندسة يكمن في أننا لا نتعلم الهندسة لغاية فهم أفضل للطبيعة التي نعيش فيها فقط ولكن لتغيير هذه الطبيعة إلى الأفضل. ويعتقد العديد من المهندسين أن مثل هذا التغيير يُحَسِّن، أو على الأقل يُتَوَقَّعُ أن يُحَسِّن، هذه الطبيعة. ويُلاحَظُ من هذا المفهوم أن الهندسة هي فطريا نشاط محفز أخلاقيا. إلا أن تغيير الطبيعة إلى الأفضل ليس واجبا سهلا وليس بالأمر الذي يمكن إنجازه على أساس معرفة الهندسة لذاتها. فهو يتطلب مما يتضمن تأملا ومعرفة أخلاقية أيضا. ويهدف هذا الكتاب، كما جاء في البابين الثاني والثالث، إلى التمعن في مثل هذا التأمل وإلى استقصاء لهذه المعرفة، ليس بالمفهوم النظري فقط ولكن بشكل عملي كذلك.

          ويَتَّبِعُ هذا الكتاب الموجز، والذي تم اقتباسه من عدد من المراجع العلمية والكتب المنهجية، منهجية التحقق والتمعن في تقييم أخلاقيات ممارسة المهن الهندسية بمظاهرها المتعددة. فهو ينحو نحو استقصاء الأمور والتمعن فيها بغية اتخاذ القرار الأخلاقي المنصف والمقبول، واتباع طرق علمية في الوصول إلى هذا القرار، وهو ما تمت معالجته في الباب الرابع. وتُوَضَّحُ هذه المنهجية عن طريق جملة من الحالات الدراسية والأمثلة، المأخوذة من أوربا ومن الولايات المتحدة ومن بقية أنحاء العالم، حيث تتوفر الإحصائيات بدقة وتفصيل. كما يعد الكتاب مبدعا في كون أنه يلفت انتباها أكثر من بعض الكتب التقليدية في موضوع أخلاقيات ممارسة مهن الهندسة إلى مواضيع مثل الأخلاقيات في التصميم الهندسي، والعلاقة التنظيمية الهندسية، وتوزيع المسئولية، والتقنيات الجديدة كالتقنية الفائقة الدقة؛ Nano-technology.

          ويوجد هناك اهتمام متزايد بالأخلاقيات في مناهج الهندسة. فليس على المهندسين أن ينجزوا أعمالا كاملة وبحنكة ودقة فقط، ولكن يجب أيضا أن يكونوا على دراية بدلالات أخلاقية واجتماعية أوسع في المجال الهندسي وقادرين على التمعن فيها، واستيعاب مفاهيمها، مثلما جاء في البابين الخامس والسادس. فطبقا لمعايير الهندسة لسنة 2,000 م. لهيئة الاعتماد للهندسة والتقنية؛ Accreditation Board for Engineering and Technology; ABET، في الولايات المتحدة، يجب على خريجي الهندسة أن يستحوذوا على "إدراك للمسئولية المهنية والأخلاقية" و"التعليم الواسع اللازم لإدراك صدى الحلول الهندسية في السياق العالمي والاجتماعي"[1].

ويزود هذا الكتاب مقدمة عن المفاهيم العامة لأخلاقيات ممارسة المهـن الهندسية والتقـنية عند مستوى البكالوريوس. ويساعد الطلبة على اكتساب الجدارة المذكورة في معايير هيئة الاعتماد للهندسة والتقنية أو ما يعادلها في الدول الأخرى. كما سيساعد أيضا على اكتساب القدرات الأخلاقية التالية:

 

  • دقة إحساس أخلاقي؛ القدرة على إدراك القضايا الاجتماعية والأخلاقية في الهندسة.
  • مهارات تحليل أخلاقية؛ القدرة على تحليل المشاكل الأخلاقية بدلالة الوقائع، والقيم، وأصحاب الرهانات ومصالحهم، مع اتِّبَاعِ طرق تحليل علمية.
  • الإبداع الأخلاقي؛ القدرة على التفكير في خيارات مختلفة للتنفيذ على ضوء القيم الأخلاقية (المتضاربة) والوقائع ذات الصلة.
  • مهارات فكرية أخلاقية؛ القدرة على إبداء رأي أخلاقي معتمدا على أساس نظريات أو أطر أخلاقية متباينة بما في ذلك الأخلاقيات المهنية والذوق الأدبي السليم.
  • مهارات اتخاذ قرار أخلاقي؛ القدرة على التمعن في نظريات وأطر أخلاقية متباينة واتخاذ قرار معتمدا على هذا التمعن وباتباع الطرق السليمة.
  • مهارات المجادلة أخلاقيا؛ قدرة التبرير أخلاقيا على أفعال المرء ومناقشتها وتقييمها مع الأخرين من مهندسين وغيرهم.

 

          ويركز الكتاب، فيما يتعلق بهذه القدرات، على المشاكل الأخلاقية الراسخة التي سيتعرض لها الطلبة أثناء الممارسة المهنية مستقبلا. فبمساعدة الحالات الراسخة سيتم بيان كيفية أن القرار بتطوير التقنية، وكذلك عملية التصميم والإنتاج، هو بالفطرة أخلاقي. ويجذب انتباه الطلبة نحو ما يواجه المهندسين من خيارات أخلاقية معينة. وسيواجهون الطلبة، بالنسبة لهذه الخيارات الراسخة، مبررات متباينة لأجل القيام بأفعال محددة أو عدم القيام بها، وسيكتشفون أن هذه المبررات قابلة للنقاش. ويصبحوا الطلبة، بهذه الطريقة، مدركين للأبعاد الأخلاقية للتقنية ويكتسبوا بذلك القدرة اللازمة على النقاش في الجدال الأخلاقي. فبالإضافة إلى التركيز على حالات واقعية حدثت في أركان متعددة من العالم، سَتُذْكَرُ ثلاثة مميزات أو خواص أخرى عن أخلاقيات ممارسة المهن الهندسية يتضمنها هذا الكتاب.

          الأولى، تتعلق باتجاه عريض نحو القضايا الأخلاقية في الهندسة والتقنية ومسئولية المهندس عليها. فبعض القضايا التي ستناقش في هذا الكتاب تمتد إلى أبعد مما يعالج تقليديا في الأخلاقيات الهندسية كالسلامة، والنزاهة، وتضارب المصالح. وبينما يتم الاهتمام بالقضايا الأخلاقية العينية[2]؛ macro-ethical، في الهندسة والتقنية، يتسنى أيضا تصنيف الاتجاه نحو هذه القضايا بقلب الداخل إلى الخارج؛ أي أنه يُبْدَأُ بالقضايا الأخلاقية التي تنشأ أثناء ممارسة المهندسين لمهنهم ثم بيان كيفية حدوثها أو تداخلها مع قضايا أوسع.

          والخاصية الثانية للاتجاه الحالي هي لفت الانتباه نحو سياق الحديث الأوسع حيث يقوموا المهندسون الأفراد بأعمالهم، كفريق مشروع، أو كشركة، أو كمهنة هندسية، وكذلك من أجل المجتمع. وتم تكريس بابين كاملين؛ هما السابع والثامن، عن القضايا التي تنشأ عما يتعلق بتنظيم المسئولية في الهندسة. كما يلفت الانتباه، عندما يكون مناسبا، نحو فاعلين آخرين وأصحاب الرهونات في سياق أوسع. ومرة أخرى يُعَدُّ الاتجاه قلب الداخل إلى الخارج، مبتدئا من أمثلة راسخة وعمل المهندسين من يوم إلى آخر. وقد يُظَنُّ أحيانا أن لفت الانتباه نحو مثل هذا السياق الأوسع سيقلل من مسئولية المهندسين، حيث يبين أن المهندسين فقدوا التحكم اللازم عن كونهم مسئولين[3]. ورغم وجود بعض الصدق في هذا، يُجَادَلُ أحيانا أن سياق الحديث الأوسع يغير من محتوى مسئولية المهندسين ويزيد في بعض الجوانب من مسئوليتهم. ويحتاجوا المهندسون أيضا إلى إعلام المدراء، والسياسيين، والعامة ليس فقط عن مخاطر التقنية ولكن أيضا عن احتمال الالتباس والجهل.

والخاصية الثالثة لهذا الاتجاه هي الانتباه للنظريات الأخلاقية. فيجب أن نعتبر بأن هذه النظريات مهمة لأنها تقدم منظورا أخلاقيا غنيا، يجبر الطلبة على أن ينظروا إلى ما أبعد ما يبدو واضحا أو إلى ما أبعد من الجدل. ورغم اعتبارنا لأهمية أن يشعروا الطلبة بالتنوع والخلفيات ووجهات النظر والنظريات الأخلاقية، فإن هذا الاتجاه منسق جدا نحو العمل. وهذا اتجاه للتعامل مع المسائل الأخلاقية الذي يشجع الطلبة بانتظام على أن يأخذوا في اعتبارهم تعدد وجهات النظر الأخلاقية ويساعدهم في أن يأتوا برأي مسبب ومبرر عن القضايا الأخلاقية التي يمكنهم مناقشتها مع غيرهم، حسب ما جاء في الباب التاسع.

          وأخيرا أرجو أن أكون قد وفقت في تجميع العديد من الآراء والحيثيات المتعلقة بأخلاقيات ممارسة المهن الهندسية، وذلك بأسلوب مبسط ومفهوم. كما آمل أن يكون إعداد هذا الكتاب إضافة لبنة جيدة من لبنات المكتبة العربية، وأن يكون سهل المنال من قبل من هم في حاجة إليه، ومن الله التوفيق.

 

                                                                                                                                          إعداد

                                                                                                                                          الدكتور صـالح محمد عمر أبوغريس

                                                                                                                                       أستاذ بقسم الهندسة الميكانيكية والصناعية

                                                                                                                                             كلية الهندسة، جامعة طرابلس.        

                                                                                                                                             بتاريخ الموافق فبراير 2016م.

                                                                                                                                        السيرة العلمية الذاتية للأستاذ صالح محمد عمر أبوغريس

                                                                                                                                      s.abughres@uot.edu.ly

 

 

 


[1]     Herkert, J.R. (1999). ABET’s engineering criteria 2000 and engineering ethics: Where do we go from here? Presented at the OEC International Conference on Ethics in Engineering and Computer Science, March 1999, http://onlineethics.org/CMS/edu/instructessays/herkert2.aspx#f1

[2]       Herkert, J.R. (2001). Future directions in engineering ethics research: Micro-ethics, macro-ethics and the role of professional societies. Science and Engineering Ethics, 7 (3), 403–414.

[3]       Davis, M. (2006). Engineering ethics, individuals, and organizations. Science and Engineering Ethics, 12, 223–231.      

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي جامعة طرابلس وإنما تعبر عن رأي أصحابها