حكم بيع العملة بطريق بطاقة الأسرة في ليبيا

د. ضو مفتاح أبوغرارة المبروك

بسم الله الحمن الرحيم

حكم بيع العملة بطريق بطاقة الأسرة في ليبيا

د. ضو مفتاح أبوغرارة المبروك

قسم الشريعة الإسلامية /كلية القانون بجامعة طرابلس.

عضو هيئة الرقابة الشرعية بمصرف الواحة

 

ترد تساؤلات كثيرة بخصوص البطاقات الأسرية والمتعلقة ببيع أربعمائة دولار عن كل فرد لرب الأسرة ، والتساؤلات والفتاوى التي صدرت بخصوصها تتعلق بشرط القبض في المجلس، والقبض شرط من شروط عقد الصرف في الفقه الإسلامي، وهذا الشرط لخلو عقد الصرف من الربا، وذلك لأن الزمن في عقد الصرف زيادة حكمية، وفي معنى القرض بفائدة، ونورد ملخصا لأحكام هذه الواقعة والمتعلقة بشرط القبض في المجلس وما يثار بشأنها من شبهة الربا، وأرجو من الله السداد والتوفيق وإخلاص النية.

*-إن العملة"يراد بالعملة العملة الورقية المتداولة هذا العصر وفي آخر مراحل تطورها" بمختلف صورها ( محلية أم أجنبية) ليست أصلا، بل هي فرع عن الذهب والفضة ( مسكوكة كانت أم مصوغة أم معدنا)، وقد اختلفت الآراء في إلحاق العملة بالذهب والفضة، ويحكم هذا الاختلاف منهجيتان تدور في فلكهما أحكام تبادل العملة، منهجية تقوم على تغليب ظاهر النص على علته، ومنهجية تغلب علة النص على ظاهره.

*-إن تحديد وصف تبادل العملة يختلف باختلاف المنهجية التي نتبناها، واختلاف الوصف ينعكس على الشروط وأهمها موضوع الورقة وهو شرط القبض في المجلس،فوفقا لمنهجية ظاهر النص تبادل العملة من باب البيع لا الصرف، وبالتالي فالقبض في المجلس لا يعد شرطا لتبادل العملة، أما وفق علة النص ، فالوصف يختلف باختلاف العلة، فإن شملت علة الربا في  النقدين( الذهب والفضة) العملة كان تبادلها من باب الصرف، ويشترط في تبادلها القبض في المجلس، أما إذا كانت علة الربا في  النقدين لا تشمل العملة كان تبادل العملة من باب البيع، ويلحق بمنهجية ظاهر النص في شرط القبض، فشرط القبض من عدمه انعكاس للوصف.

*- يراد بالصرف هنا المصطلح الفقهي لا المصرفي أو الاقتصادي، فوصف العقد في الفقه الإسلامي لا تتقيد ضرورة بالمعنى الاقتصادي أو التجاري، ولا الاصطلاح المستخدم في عرف التعامل، ولا المعنى اللغوي، والأمثلة في المعاملات الحديثة كثيرة كعقود المقاولة وغيرها من مستجدات العصر.

*-إن اعتبار تبادل العملة من باب الصرف أساسه التوسع في علة الربا في النقدين، وهذا يستلزم تبني نفس المنهجية في الشروط، ومنها شرط القبض في المجلس، وتبني هذه المنهجية يترتب عليه التوسع في معنى القبض، وأن القبض غير مقصود لذاته، بل هو مراد لمعنى ويقوم هذا المعنى على فكرة انتفاء ما يفضي للزيادة الحكمية مقابل الزمن، والتي بسببها عد تأخر قبض العوض في الصرف من الربا.

*-إن اللبس يحصل بعدم الربط بين الوصف والأثار من حيث المنهجية المطبقة، كاعتماد منهجية تغليب ظاهر النص أو علة قاصرة عن شمول العملة في تحديد الشرط، وتغليب منهجية علة تشمل العملة في تحديد الوصف، أي اعتبار العملة من باب الصرف لتحقق علة الربا في النقدين في العملة، والاقتصار على ظاهر النص في تحديد معنى القبض، والقول بأن القبض مقصود لذاته، أو تضييق معنى القبض بحيث لا يستوعب التنوع الذي فرضته المنهجية المقاصدية والتوسع في علة النص.

*-إن انعكاس منهجية تحديد الوصف لتبادل العملة على شروطها هو الإطار الذي تنطوي تحته جل أحكام بيع العملة وشروطها، ومنها شرط القبض في المجلس، فمن غلب ظاهر النص على العلة، أو ضيق في علة الربا بحيث خرج منها تبادل العملة لم يشترط القبض في المجلس، لأن تبادل العملة وفق هذا الأساس من باب البيع، والقبض لا يشترط في البيع، واكتفى بالشروط العامة للبيع، وهذا انعكاس للمنهجية في تحديد الوصف، ومن توسع في علة الربا في النقدين بحيث تعدت إلى العملة توسع في معنى شرط القبض، حيث اعتبر  شرط القبض لمعنى، ويتحقق القبض بتحقق هذا المعنى ولو لم يحصل قبض حقيقي أي حسي.

*-أهم أراء الفقهاء وأثرها على القبض في المجلس في تبادل العملة:

- ذهب الظاهرية ونفاة القياس إلى قصر الربا في الأصناف المذكورة في النصوص، وهي الأصناف الستة الواردة في نصوص السنة النبوية، وهي الذهب والفضة والتمر والبر والشعير والملح،وحكي عن  طاوس وقتادة موافقة الظاهرية في هذا، وعليه فلا إلحاق للعملة بالنقدين، يقول ابن قدامة بعد ذكر الأصناف الستة:"حكي عن طاوس وقتادة أنهما قصرا الربا عليها، وقالا لا يجري في غيرها، وبه قال داود ونفاة القياس، وقالوا ما عداها على أصل الإباحة".( المغني لابن قدامة 5/387.)، وبالتالي لا تشمل العملة، وعليه فإن تبادل العملة بشتى أنواعها من باب البيع، ولا يجري فيها الربا، ولا يشترط فيها القبض في المجلس، ولا تثار إشكالية القبض في المجلس وفق هذه المنهجية بشأن بيع البطاقات، أو بيع الدولار عن طريق البطاقات أو التحويل، وما في معناها.

*-اختلف فقهاء المذاهب الأربعة ( أحناف- مالكية –شافعية – حنابلة)  في علة الربا في النقدين، وإن اتفقوا على عدم اقتصارها على الذهب والفضة، إلا أن شمول هذه  العلة للعملة يختلف قوته باختلاف العلة، فإذا كان شمول علة الثمنية أو الثمنية الغالبة وفقا لآراء المالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد قويا أو ظاهرا ، فإن شمول علة الوزن مع الإشارة للثمنية عند الأحناف وإحدى روايات الإمام أحمد أقل، يقول الباجي في علة الربا في النقدين:"وعلة الربا في الذهب والفضة أنهما أصول الأثمان وقيم المتالفات"( المنقى في شرح الموطأ للباجي 4/58)، ويقول ابن قدامة:"واتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت في كل ما وجدت فيه العلة ..... الرواية الثانية :أن العلة في الأثمان الثمنية." ( المغني لابن قدامة 5/389)،ويقول الشيرازي :" فأما الذهب والفضة فإنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة، وهي أنهما جنس الأثمان" (المهذب للشيرازي1/359)، ويقول الكاساني:"قال أصحابنا : علة ربا الفضل في الذهب والفضة الوزن مع الجنس، فلا تتحقق العلة إلا  باجتماع الوصفين...وكذا الأصل في بيع الذهب والفضة بجنسهما هو الحرمة لكونهما أثمان الأشياء ..فكان قوام الأموال والحياة بها، فيجب إظهار شرفها في الشرع بما قلنا...وأما الاستدلال فهو أن الفضل على المعيار الشرعي من الكيل والوزن في الجنس إنما كان ربا في المطعومات والأثمان....أن الفلوس أثمان فلا يجوز بيعها بجنسها متفاضلا كالدراهم والدنانير."(بدائع الصنائع للكاساني5/273-275)، يقول ابن قدامة نقلا لروايات الإمام أحمد" أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس" ( المغني لابن قدامة 5/388).

إن هذه النقول كانت سندا لقرار عدد من المؤتمرات الفقهية بجريان الربا في العملة، أي النقود الورقية المتعامل فيها في هذا العصر، وأن القبض لا يراد لذاته، ولهذا تقوم الوسائل الحديثة لتبادل العملة مقام القبض كالشيك، وهو ما تضمنته عبارة شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق:" بناء على قرارات المؤتمرات الفقهية من أن العملة الورقية الآن هي نقود قائمة بذاتها وتقوم مقام النقدين من الذهب والفضة، فيشترط فيها عند الصرف ما يشترط في الذهب والفضة من التساوي والتقابض في المجلس ....وقد يتعذر التقابض في كثير من الحالات وهنا يقوم مقام القبض الفعلي للنقد الوسائل العصرية المختلفة كالحوالة، وقد اتفق عليها مجمع البحوث الإسلامية، والشيك والتلكس، وكل ما يعد في العرف قبضا كما قامت السفتجة قديما مقام القبض."( بحوث وفتاوى إسلامية معاصرة لشيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق.).

-تبين آراء فقهاء المذاهب الأربعة وعباراتهم التطبيقية أن إدخال العملة في عقد الصرف وجريان الربا فيها قياسا على النقدين(الذهب والفضة)أساسه عقلي، وكلما توسعنا في استخدام العقل من خلال تبني العلة الأكثر عمومية قويت احتمالية اعتبار العملة من الأموال الربوية، واعتبارها من باب الصرف واشترط القبض في المجلس، وهذا يقتضي التوسع في معنى القبض في المجلس، والتركيز على معنى القبض، وإن خالف ظاهر النصوص.

*-يعتقد البعض أن التوسع في العلة واستخدام العقل يعطي مرونة أكثر في شروط تبادل العملة، وذلك وفقا للقاعدة العامة في المعاملات خاصة والأحكام الشرعية عامة، إلا أن الأمر في واقعة الحال أي اشتراط القبض في المجلس في تبادل العملة عكسي،أي تغليب ظاهر النص، أو التضييق في العلة يعطي مرونة أكثر في تبادل العملة، وذلك لأن التقيد بالظاهر أو التضييق في العلة يترتب عليه عدم التقيد بشروط الصرف ومنها القبض في المجلس والاكتفاء بالشروط العامة للبيع، وأن العملة ليست من الأموال الربوية، وتحرير المكلف من القيود مرونة، أما تغليب التوسع في العلة يفرض قيودا على تبادل العملة ويدخلها في دائرة الأموال الربوية، ومنها القبض في المجلس.

*- إن تطبيق الأسس السابقة على البطاقات الأسرية خاصة والمعاملات المصرفية عامة لا يخرج عن أحد احتمالين، أولهما : تغليب ظاهر النص أو التضييق في العلة ويترتب على هذا الاحتمال عدم اشتراط القبض في المجلس في تبادل العملة لأنها ليست من الأموال الربوية، فتبادل العملة من باب البيع لا الصرف، والبيع لا يشترط فيه القبض في المجلس، وعليه لا مجال لإثارة التأخير في قبض العوض في بيع الدولار عن طريق البطاقة، أو التحويل عند تأخر قيد القيمة عن تاريخ خصمها، وكذلك الأمر في الشيك بجميع أنواعه، كما لا تثار مسألة الربا في بيع العملة لتأخير القبض في المجلس لأن العملة ليست من الأموال الربوية وفق هذا الأساس.

ثانيهما: تغليب العلة والتوسع فيها بحيث تشمل العملة، وبناء عليه فإن العملة يجري فيها الربا، وتبادلها من باب الصرف، ويشترط فيها القبض في المجلس، إلا أن القبض في المجلس وفق هذه المنهجية لا يراد لذاته، بل يراد لمعنى، وهذا المعنى يتحقق بقبض الصك واتخاذ المصرف الإجراءات التي تحقق معنى القبض وإن لم يتحقق قبض حقيقي.

*- إن تطبيق المنهجيتين بمنطقية يقضي بصحة بيع العملة عن طريق البطاقات وما في حكمها كالتحويلات والصكوك بمختلف أنواعها إذا تحقق معنى القبض، إما لأن القبض لا يعد شرطا أصلا، وإما لأن القبض لا يراد لذاته، ولا نكون جانبنا الصواب إن قلنا بأن جل أراء الفقه الإسلامي تدل على أن القبض لا يراد لذاته في بيع العملة، وهذا يصحح بيع العملة وفقا للبطاقات الأسرية والمعاملات المصرفية التي لا يملك المواطن التصرف المادي في العوض حالا من حيث القبض، كما في الصكوك المصدقة، فإن قيمة الصك تدخل في الحساب بعد فترة زمنية تختلف باختلاف المعاملة، داخلية أم خارجية، وما إذا كان المصرف ضمن المنظومة أو خارجها، وحجز قيمة الصك المصدق أو خصمها لا استلام العوض لحظة الخصم ، أما إذا انتقلنا إلى الحكمي والمعنى فالأمر فيه سعة.

*-إن الذي نرجحه في تبادل العملة وشروطها ومنها القبض في المجلس تبني منهجية التعليل وما يترتب عليها من آثار، وذلك لأسباب أهمها:

1- أن تبادل العملة بيعا كانت أم صرفا من باب المعاوضات، والمعاوضات أكثر  المعاملات تركيزا على المعاني والمقاصد، وتبادل العملة وفق هذه المنهجية من باب الصرف، ويجري فيها الربا قياسا على علة الربا في النقدين، ويشترط في تبادل العملة القبض في المجلس، والقبض لا يراد لذاته بل يراد لمعنى، وقبض الصك والحوالة وما في معناهما يحقق معنى القبض، ومنها البطاقات الأسرية محل السؤال.

2- إن هذه المنهجية هي منهجية فقهاء المذاهب الأربعة ومن سار على نهجهم، والتي تمثل الهوية الفقهية لجل الدول العربية ومنها ليبيا.

3- إن هذه المنهجية هي الأحوط في تبادل العملة وشرط القبض في المجلس، فإذا كان تغليب الظاهر يرفع قيود الصرف ويقصر أحكامها وشروطها على عموميات البيع، ومنها عدم جريان ربا البيوع فيها، وعدم اشتراط القبض في المجلس حقيقة أو حكما، فإن المنهجية المقاصدية أي التعليل تجعلها من الأموال الربوية، ويشترط فيها القبض في المجلس وإن كان حكميا، فالاشتراط وإن قام فيه الحكمي مقام الحقيقي أحوط من عدم الاشتراط.

نخلص من خلال ما سبق إلى أن بيع الدولار وفقا للبطاقات الأسرية أو بيع البطاقات الأسرية، وكذلك الصكوك بجميع أنواعها ( مصدقة أو غير مصدقة) لا يبطلها عدم تحقق القبض الحقيقي لقيمتها في مجلس العقد، والقبض من اشترطه لا يراد لذاته، بل يراد لمعنى يتحقق يتحقق بالإجراءات المصرفية المتبعة في ليبيا.

إن هذا الحكم خاص بشرط القبض في المجلس المثير للجدل، أما بقية الأحكام فيسري عليها القواعد العامة للبيع وتناقش باستقلال ووفق كل حالة وظروفها، وعدم عرضها في هذه الورقة لعدم إثارتها.

 

15/7/2017م

بسم الله الرحمن الرحيم

اطلعت على الرأي الفقهي المعد بالأدلة النقلية والعقلية في صحة ما تقرر من بيع الدولار عن طريق الطاقات الأسرية، وكان رأي قبل الاطلاع على هذه المذكرة وبعده لا يختلف عن مشروعية هذا الإجراء ما دام يتسع الرأي لإجازته بناء على قاعدة أن الأصل في المعاملات أنها طلق حتى يرد المنع، ولا نص ولا اجتهاد صحيح في المنع، خاصة وأنه إجراء يقوم بين المؤسسات المالية مدعومة بسلطة الدولة وأفراد المواطنين بقصد تحقيق المصلحة التي جاءت الشريعة دائما بمراعاتها، وتحقيق مقصد التيسير. والله من وراء القصد.

الأساذ الدكتور: سعيد محمد الجليدي.

17/7/2017م

بسم الله الرحمن الرحيم

أطلعت على الرأي الذي أسس على آراء الفقهاء المؤسس على النظر في الأدلة، وقد صُدر الرأي بالخلاف حول تكييف العملة الورقية، وحول التعامل مع النص، هل يؤخذ بظاهره، أم تُغَلب العلة؛ ثم الاختلاف في علة النص، وما قد يفيده هذا الخلاف في إجازة معاملة قد تقتضي إجازتها المصلحة، وعموم البلو، وغير ذلك.

وقد خلص الرأي إلى ما خلص إليه القرار في المجامع الفقهية من حلول التقابض الحكمي محل التقابض الحقيقي، وهو ما يجاري التطور الحادث اليوم في التبادلات المالية، وهذا النظر تؤيده عمومات النصوص" فما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما".

أخيرا، فإن ما أود التنبيه إليه هو أن المعاملة التي نحن بصددها قد تحتاج إلى تحقق من زاويتين:

الأولى: تحقق التقابض الحكمي من عدمه، خاصة مع عدم إمكانية القبض داخل ليبيا.

الثانية: تملك المصرف للعملة التي هي محل التعامل، سواء قلنا بأنه صرف أم بيع، فالتعامل يتم من خلال المصارف التجارية، والعملة هي ملك المصرف ليبيا المركزي.

وفقكم الله وجزاكم خيرا.

د.عبدالمجيد قاسم

عضو إدارة القضايا/ فرع سرت

أستاذ متعاون بقسم الشريعة الإسلامية بكلية القانون طرابلس.

17/7/2017