رؤى حول وضع ومستقبل جامعة طرابلس

للأستاذ الدكتور صالح محمد عمر أبوغريس

سأرد في يلى بعض الآراء حول ما يمكن القيام به داخل جامعة طرابلس والتي رأيت تقديمها لحرصي على الرفع من مكانة التعليم العالي رغم قناعتي بأن هذه الأفكار ليست جديدة، وبأنها تجول في أذهان معظم أعضاء هيئة التدريس الجامعي. ورغم أنني خصصت العنوان لجامعة طرابلس، إلا أنها أفكار عامة وتصلح لكافة الجامعات. وما كان هذا التخصيص إلا لأنني عضو هيئة تدريس في هذه الجامعة، وكما يقال أهل مكة أدرى بشعابها.

فلا شك أن الجامعة تحتاج خلال الفترة الحالية إلى تكثيف جهود كافة أعضاء هيئة التدريس والإداريين والفنيين كل حسب مقدرته وخبرته. فهي في حاجة إلى العطاء العلمي من قبل أعضاء هيئة التدريس، وإلى تسيير الأمور الإدارية والمالية وأمور المكتبات من قبل الإداريين والمحاسبين والمتخصصين في علم المكتبات، كما هي في حاجة إلى جهود الفنيين والمحضرين في الورش والمعامل بمختلف أنواعها. ويجب خلال الفترة الراهنة عدم الاستغناء عن أو إبعاد أي شخص مهما كانت انتماءاته في السابق إلا من يقف القانون (وليست الأهواء الشخصية) حائلا دون ذلك، ويتم ابعادهم عندئذ طبقا للقانون. كما يجب بشكل عام التأكيد على الكفاءة والنزاهة والخبرة الفعلية (وليست مجرد الأقدمية) عند اسناد مهام وظيفية إلى هؤلاء الأشخاص. كما يجب عند إسناد مهمة إدارية إلى عضو هيئة التدريس التركيز على نزاهته وسيرته الذاتية.

ورغم أن الجامعة مرت خلال الحقبة الزمنية الماضية، وبالذات بعد السابع من أبريل، بتدهور في المستوى العلمي إلى حد ما نتيجة التسيب وضعف الإدارة وعدم التمييز بين الشخص الكفؤ والشخص الأكفأ، إلا أنها حافظت بشكل عام وبفضل أعضاء هيئة التدريس الملتزمين على مستوى جيد وبالذات في الجانب النظري. والدليل على ذلك نجاح المتخرجين منها في مجال العمل الميداني أو الأكاديمي في الخارج ونجاحهم أيضا في مجال التحضير للشهادات العليا في جامعات الدول المتقدمة. أما في الجانب العملي فإن الجامعة، وخاصة كليات العلوم الطبيعية ككلية الهندسة مثلا، لم تصل إلى المستوى الذي كنا نصبوا إليه، والسبب في ذلك ناتجا عن ضعف الإمكانات المعملية وقلة الفنيين الأكفاء. وهذا ما يتطلب الاهتمام به من قبل إدارة الجامعة وأعضاء هيئة التدريس المتخصصين. وتوجد أفكار عدة في هذا المجال منها ما يتعلق بالربط بين الأقسام المتخصصة في الكلية ومؤسسات وشركات القطاع العام والخاص عند تحديد مواضيع رسائل الماجستير والدكتوراه والمشاريع البحثية بشكل عام.

ويلاحظ بأن جامعة طرابلس قد نمت عدديا خلال العقود الأربعة الأخيرة بشكل كبير. فمن عدد حوالي أربعة آلاف طالب وطالبة (4,000) في بداية السبعينات إلى حوالي مائة وعشرين ألف طالب وطالبة (120,000) في الوقت الحالي. وهذ لا شك أنه عدد هائل من الطلبة والطالبات في جامعة واحدة. فنجد مثلا على سبيل المقارنة، أن جامعة لندن كانت تعد أكبر جامعة في أوربا الغربية عندما وصل عدد طلابها إلى حوالي خمسين ألف طالب وطالبة (50,000) في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي، وكانت كلياتها تقع في أماكن عدة داخل مدينة لندن وخارجها. ولكن الزيادة المضطردة في عدد طلبة جامعة طرابلس لم يوكبها زيادة في الإمكانات اللازمة لأداء مهامها التعليمية، كزيادة في عدد الفصول والمعامل وفي عدد أعضاء هيئة التدريس والفنيين. فنجد مثلا أن نسبة عدد الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس تصل في كلية الهندسة إلى حوالي 28 طالب لكل عضو هيئة تدريس في الوقت الذي يجب أن لا تزيد النسبة عن 15 طبقا للمعايير الدولية. كما أن الموقع العام للجامعة أصبح مكتظا بالمباني، ومزدحما بهذه الأعداد. لذا توجد ضرورة للعمل على توفير مزيدا من الفصول ومن أعضاء هيئة التدريس والفنيين.

وقد يكون تقسيم الجامعة إلى جامعتين أمرا مناسبا للتغلب على مشكلة الازدحام المتزايد. ويمكن أن تبقى إحدى هاتين الجامعتين في المقر الحالي وتنشأ الأخرى غرب مدينة طرابلس، وأرى أن مقر أكاديمية الدراسة العليا وقاطع جامعة الجفرة المجاور للأكاديمية والتابع لجامعة طرابلس مكانا مناسبا. ويتم اتخاذ الإجراءات لذلك بعد توفير الإمكانات اللازمة للدراسة بجرد أسماء الطلبة وأعضاء هيئة التدريس في جميع الكليات حسب مقار سكناهم وتشجيع من يسكن في المناطق الغربية على التحويل إلى كليات مناظرة لهم في الجامعة الجديدة إن كان عدد الطلبة مناسبا لإنشاء كلية. وهذ لا شك أنه سيخفف العبء عن جامعة طرابلس الحالية.

وقد أشرت في الفقرة الثانية فيما سبق بيانه إلى ضرورة الربط بين الكليات العملية والمؤسسات والشركات التنفيذية العامة منها والخاصة. فيمكن لكلية الهندسة مثلا أن تربط أعمالها البحثية بما فيها مواضيع رسائل الماجستير والدكتوراه وغيرها من البحوث والدراسات مع الجهات ذات العلاقة. وقد حاول بعض أعضاء هيئة التدريس في خلق هذا الارتباط سابقا، إلا أنه لم يكن ناجحا إلى المستوى المطلوب. كما اعتمد بعض هذا الارتباط على الأهواء والعلاقات الشخصية وهو ما لا يجب حدوثه مستقبلا. ويمكن، إذا ما صيغ الارتباط بين الكلية وهذه المؤسسات بالشكل المناسب، أن يساهم في دعم الكلية ماديا ومعمليا مع خلق الحوافز اللازمة لأعضاء هيئة التدريس.

كما يلاحظ في السنوات الأخيرة عزوف قيام الأساتذة الزائرين من الجامعات المرموقة في الدول المتقدمة بزيارة كليات جامعة طرابلس. وقد يكون هذا ناتجا عن صعوبة القيام ببرامج لائقة لاستضافتهم نتيجة سوء الإدارة في الجامعة آنذاك ووجود العديد من المعوقات. وأرى بالخصوص تشجيع هذا الجانب مع الربط بينه وبين الدراسات العليا، كاختيار البعض من هؤلاء الأساتذة في هذه الجامعات كمشرف ثاني على الرسائل وبشكل خاص في شهادة الدكتوراه. وهذا لا شك بأنه سيزيد من دعم الاعتراف بمستوى هذه الشهادات عالميا. كما سيحفز أعضاء هيئة التدريس الليبيين على القيام بالبحث العلمي، ويوفر لهم مكانا لائقا لقضا الإجازة الدراسية، ويساعد في حل بعض المعضلات التطبيقية التي تقابل المؤسسات والشركات التنفيذية.

وأود أيضا الإشارة إلى الجامعات الصغيرة التي أنشأت في السنوات الأخيرة. وأكد بأن إشارتي إلى هذه الملاحظة تأتي نتيجة لحرصي الشديد على الحفاظ على مستوى تعليم رفيع داخل بلدنا العزيز، ولا أقصد به أي تجريح أو تعالي. وتنجم ملاحظتي هذه عن خبرة استقيتها أثناء مشاركتي في الدراسات العليا لمدة تربو عن ثلاثة عقود.

فيشترط قسم الهندسة الميكانيكية فرع القوى الحرارية بكلية هندسة جامعة طرابلس على خريجي الجامعات الأخرى غير جامعة طرابلس مثلا، ضرورة إعادة دراسة ثلاثة مواد أساسية تخصصية (مستوى جامعي) كمواد استدراكية، ويعد النجاح فيها مطلبا مسبقا للتسجيل في الدراسات العليا. ومن خبرتي في تدريس إحدى هذه المواد أن خريجي بعض الجامعات، والذين يفترض بأنهم درسوا هذه المادة ونجحوا فيها، يكادوا لا يعلمون شيئا عنها. وقد قال لي أحدهم، وهو خريج جامعة كنت أتوقع بأنها ذات مستوى جيد، بأنه استفاد من إعادة دراسة المادة كثيرا لأنه لم يعطى في دراسته الجامعية إلا ما يعادل نصف ما يعطى في كلية هندسة جامعة طرابلس. وقد كان الفشل في هذه المواد حليفا لكثير من الطلبة وبخاصة من أولئك المتخرجين من جامعات لا يتوفر بها عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس الوطنيين القارين، حيث تعتمد هذه الجامعات على التعاون من خارج الجامعة بالدرجة الأولى. وأقترح في هذا الخصوص وكحل لهذه المشكلة ضرورة تبعية هذه الجامعات إلى جامعات قديمة، كجامعة طرابلس أو جامعة بنغازي، وأن تتولى الجامعات القديمة وضع الامتحانات النهائية لها والاشراف علي تبنيها وتطبيقها للمقررات المعتمدة حتى يتسنى المحافظة على مستوى جيد ومتقارب للخريجين.

كما أنني سمعت في هذا اليوم أن هناك قائمة أعدت داخل جامعة طرابلس بأسماء حوالي 1,500 شخص من الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، يطلبوا من أعدوها فصل هؤلاء الأشخاص من الجامعة. والحقيقة إن كان ما سمعته صحيحا، فقد رجعنا إلى أحداث الزحف في السابع من أبريل 1976م وما نجم بعده من سفك دماء، والذى كنت أنا وبعض الزملاء من ضحاياه. كما أصبح لدينا، في حالة ما إذا كانت القائمة وضعت من قبل الطلبة، حالة مشابهة لسنوات الجامعة الطلابية، وبدأ هؤلاء يقوموا بدور أعضاء اللجان الثورية فيما سبق. وأصبحت ثورة العدالة والحرية، ثورة 17 من فبراير، والتي كنا ننشدها وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء، كأنها لم تحدث. أرجو أن يكون ما سمعته غير صحيح، وأن لا يتهم أحد بدون أدلة. ويجب، عند إثبات الأدلة وإدانته، إحالة الموضوع إلى القضاء. كما أظن بأنه لا يوجد قانون في أي بلد يزاول الديمقراطية ويدافع عن الحرية يحكم بفصل أحد من الدراسة أو التدريس بالجامعة مجرد نتيجة انتمائه السياسي في السابق. أما إذا كان تصرفه أدى إلى الضرر بمواطن آخر أو بالمال العام، فيجب عندها إحالة قضيته إلى المحاكم كما ذكرت سابقا.

وأخيرا أرجو أن تساهم هذه الأراء في تحسين وتطوير التعليم الجامعي والدراسات العليا في جامعة طرابلس وغيرها من الجامعات، وذلك كمساهمة متواضعة في بناء الوطن العزيز، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والله الموفق.

أ. د. صـالح محمد عمر أبوغريس

أستاذ بقسم الهندسة الميكانيكية والصناعية

كلية الهندسة، جامعة طرابلس.

ملاحظة:

سبق وان نشر في الانترنت بتاريح  22/9/2011 م

أضغط هنا للاطلاع على المصدر