ليبيا الرهان والتحدي

للأستاذ الدكتور محمود أحمد الديك

يعتبر شهر يوليو من الشهور الفاصلة والحاسمة في تاريخ ليبيا الحديث والمعاصر، حيث حصل فيه حدث وتغيير عظيم، ففي سنة 1510م تعرضت البلاد للغزو الصليبي الإسباني المالطي، ولكن لم تمض أربعة عقود حتى عادت للبلاد هيبتها، وذلك عبر الفتح الإسلامي العثماني وعودة البلاد إلى هويتها العربية الإسلامية سنة 1551م . إن موقع مدينة طرابلس في وسط البحر المتوسط، أهلها أن تكون نقطة وصل وتواصل بين وسط أفريقيا وأوربا، وجسر عبور للحراك البشري والثقافي، وشريان حيوي للتجارة العالمية، كل ذلك جعلها محط أنظار واطماع القوى الاستعمارية الكبرى، على اختلاف أهدافها والخفايا المعلنة والمبطنة على مدى العصور.

ولطالما أن العروبة والإسلام بكل مكوناته العرقية والمذهبية متجذرة ومتحدة في منطقتنا، لن يرفع الغرب المسيحي سطوته وهيمنته عليها، وهذا صراع حضاري لا يخفى على أحد والبقاء فيه للأقوى. فالغرب المسيحي استكثر على العرب المسلمين، أن يحملوا مشعل المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، لهذا جعلوا من الإسلام عدوهم الأوحد والمباشر واعتبروه مهدداً لمصالحههم. فالصراع قديم جداً وهو مرتبط بهزيمة المسيحيين في الحروب الصليبية، حيث طردهم من القسطنطينية وتحولت إلى أرض الإسلام أسلامبول (اسطنبول)، هذا الحدث الجلل شكل ردة فعل مباشرة، وذلك من خلال ظهور نزعة التطهير والتصفية العرقية التي قامت به القوات الإسبانية ضد العرب المسلمين في الأندلس في سابقة انسانية لم يألفها التاريخ، ولق تم اجبار شعب وجماعات على الخروج من البلاد قسراً في حملة طرد جماعي، وامعاناً في الإنتقام اقيمت محاكم التفتيش قتلت وعذبت أعداداً لا تخصى، وهي بذلك تجاوزت كل الأعراف والتقاليد الحربية، فقد غادرالناجون من المسلمين واليهود مكرهين بلاد الاندلس، وفروا بعقيدتهم نحو مدن فضاء الدولة الإسلامية وبشكل خاص في سواحل افريقيا الشمالية حيث وصلوا إلى مدينة درنه شرق ليبيا. ولم تعتذر اسبانيا ولا مالطا ماضياً ولا حاضراً عن جرائمها الانسانية ولم تقم بتعويض المسلمين حتى اليوم؟.

إن استهداف ملاحقة المسلمين الفارين في شمال أفريقيا ودفعهم إلى الصحراء، كان الغرض منه عدم تمكينهم من تنظيم صفوفهم حتى لا يفكروا في العودة لجنوب اسبانيا ويعود الإسلام لهذه المناطق من جديد، وكذلك قطع الصلة بين دول المغرب العربي بمشرقه، لهذا قام الاسبان بتوجيه ضربات استباقية، باحتلالهم المراكز الحضرية في الجزائر وتونس. ثم توجهت القوات الأسبانية لإحتلال مدينة طرابلس، نظراً لأهمية موقعها الإستراتيجي والتجاري المفصلي في حوض المتوسط وجنوب الصحراء.

لقد قامت اسبانيا بتحشيد قوات أوروبية ضخمة؛ مكونة من المدن الإيطالية ومن مالطا، ومن مغامري ومرتزقة أوروبيين آخرين، حتى بلغ عدد الأسطول إلى 120 سفينة حربية، كان على ظهرها أكثر من عشرين ألف جندي أي ضعف سكان مدينة طرابلس. فالحملة كانت حلقة من الحملات الصليبية المتعاقبة والمستمرة على المشرق والمغرب العربي حتى اليوم وإن اختلفت اساليبها واشكالها، ولكن تظل اهدافها وغاياتها واحدة وهيا لقضاء على القوة والوحدة العربية الإسلامية، أو على الأقل جعلها مشتتة ومتفرقة تقاتل بعضها بعض أو ما يعرف ب(حرب الوكالة). فالحشد العسكري الأوروبي الذي اجتاح مدينة طرابلس لم يكن متوقعاً لمدينة كانت آمنة، همها الوحيد التجارة والتواصل العلمي بمفهوم ذلك الزمن ولم تكن دولة حرب. ولكن حين فرض عليها القتال، استنفر الليبيون خفافاً وثقالاً لإنقاد مدينة طرابلس لأن سقوطها إيذان بنهاية المسلمين في المنطقة برمتها.

ولهذا لم يكن احتلال مدينة طرابلس بالأمر الهين، بل أن الحملة الأوروبية واجهت مقاومة عنيفة، سقط على أثرها حوالي خمسة الاف شهيد، وتم أسر أكثر من الف واربعمائة أسير، ثم نقلهم إلى جنوب ايطاليا وبيعوا كرقيق في المزاد العلني. هذه الممارسات التي ارتكبت من القوات الصليبية، لم نجد لها مثيلاً في تاريخ الحروب، فحين فتح العرب المسلمون صقلية أو الأندلس، أمنوا حياة الأهالي العزل، ولم يقوموا بتغيير ديموغرافي أو فرض الدين الإسلامي بالقوة، بل أنهم عاملوا الأسرى بالرفق واللين وفق تعاليم الشريعة الإسلامية. ومما يؤكد أن الحملة كانت اوروبية وتحت غطاء مسيحي ودعم مطلق من بابا الفاتيكان، فمجرد ان سقطت مدينة طرابلس، عمت مباهج الفرح في اوروبا عامة، وتم تبادل التهانئ والتبريكات بين ملوك اوروبا بهذا النصر على المسلمين، واعتبروه نقطة تحول وحلقة هامة في المشروع الكبير الاستعماري، الذي يهدف لتحويل سكان الشمال الأفريقي إلى المسيحية بالحديد والنار. والمشروع الخطير هو توطين الالآف من الأوربيين في مدينة طرابلس لإحداث خلخلة ديموغرافية، في محاولة لإجتتاث الوجود العربي الإسلامي.

لكن عجلة التاريخ لا ولن تتوقف ولن تعود القهقرى، فالاسلام باق حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وسيكتب لهذا الدين النصر ولو بعد حين، سواء على يد العرب أو العجم من المسلمين، وهكذا حين دقت ساعة الخلاص، تقدمت جحافل السلطان العثماني بمساعدة الأهالي تدك الحصون والقلاع، فقد تهاوت على أيديهم الأصنام والهياكل الصليبية، وتم القضاء على الوجود المسيحي بضربة واحدة في الخامس عشر من اغسطس سنة 1551م، وعاد الحوض الجنوبي للمتوسط بحيرة إسلامية، حتى ابتلي بالغزو الأوروبي من جديد سنة 1830م ثم توالت النكبات وتناوب الاستعمار على شعوب هذه المنطقة. ولن يتغير هذا الوضو هذا الكابوس المخيف إلا باستفاقة وصدمة حضارية، تعيد الحقوق لاصحابها وتعاقب كل من يتطاول على الاسلام والمسلمين. فليبيا ستبقى دوماً القوة الفاعلة والضاربة لمحاربة الإرهاب والتطرف بكل أشكاله وصوره، وسناط بدور حيوي في إرساء ثقافة السلام والأمان، وستساهم في البناء والتعمير في الحضارة الإنسانية، مهما اشتدت الأزمات واحتدت المؤامرات، فتاريخ هذه الأمة (ليبيا)الذي  يعود لثلاثة ألف سنة 3000، لا يمكن أن تمحوه الأيادي المرتجفة والمرتعشة الجبانة التي لا تعمل إلا في الظلام استخدامها العصاة الطويلة، وليس لها القدرة على المواجهة مباشرة. إن هذه الصفحات بما لها وعليها، يجب أن ترسخ في ذاكرة أجيالنا وتعيها أذن واعية، ويجب أن يذكرها ويتذكرها الغرب المتكبر. فهذه الأمة وإن كانت اليوم ضعيفة مجزأة ـ فهي وجدت لأن تبقى، لأنها محملة برسالة السماء المبنية على الحق والعدل، الذي يعلو ولا يعلى عليه.