مسألة التوطين رهان وتحدي لمستقبل ليبيا

للأستاذ الدكتور محمود أحمد الديك

 

لقد ارتبطت ظاهرة التوطين بالهجرة الإختيارية أو القسرية سواء بصورة دائمة أو مؤقتة عبر العصور، وهذه المسألة غير جديدة على ليبيا بل ومن الممكن أن تتكرر إذا توفرت الظروف والشروط المناسبة لها، فكتب التاريخ تحتفظ لنا ببعض الصفحات التي جرت فيها محاولات التوطين في عدة أماكن من العالم، فعندما بدأت الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر تترنح وتشهد ضعفاً حاداً على مستوى المركز، وقد انعكس ذلك على الآطراف التي دائما هي في نقصان، ودون ريب أن الأطماع الأجنبية تنتهز الفرص في التغول والتطاول، ولن تتوانى في التخطيط لتنفيذ مشاريعها الاستعماررية، طالما أن هناك دول صغيرة قزمية تمتلك ثروات طائلة لا تستطيع توظيفها واستثمارها لصالح شعوبها.

  والتاريخ يسجل الأعمال الحسنة والسيئة للنظم السياسية، وهنا نستذكر موقف السلطان عبد الحميد الثاني المشرفة إزاء الحركة الصهيونية حين رفض أن يبيعهم القدس (فلسطين)، رغم العازة والضائقة المالية، وقد وعوده  بتخليصه من كل الديون ولكن دون جدوى. ولما يأس أبناء صهيون حاولوا الإلتفاف بطرق ملتوية لكسب عطف الدول  الكبرى عليهم، وأعلنوا أنهم سيرضون بأي وطن آخر يختار لهم لإقامة وطهنم المزعوم، فاتجهوا نحو الأرجنيتن ثم أوغنده وفشلوا في ذلك لأختلاف زعماء الصهاينة حول هذه الخيارات، ثم صوبوا أنظارهم سنة 1908م، نحو منطقة الجبل الأخضر في (ليبيا) لإنشاء الوطن اليهودي، باعتبار أن مناخ هذه المنطقة يشبه دول جنوب أوروبا. وقَدِمَتْ بعثة علمية من باحثين في زيارة ميدانية في مجالات الزراعة والجولوجيا والمعادن وغيرها من التخصصات لدراسة امكانيات المنطقة (برقة)، وعلى الرغم من إجماع  الدراسات على أهميتها وأنها صالحة لتنفيذ هذا المشروع، لكن تقريراً واحداً اوقف هذه المحاولة الخطيرة وأفشل المخطط، والحجة أن كمية المياه بالجبل الأخضر التي تم الكشف عنها كانت محدودة، وغير كافية لإستقبال مئات الملايين من اليهود الذي هم في الشتات، وهكذا نجى الله ليبيا من شرهم، ولكن للأسف ابتلى الشعب الفلسطيني بهذه النكبة وهي طعنة في القلب يتجرع سُمُهَا المسلمون حتى يومنا هذا. وقد تكون الإختيارات الصهيونية خارج فلسطين هي مجرد سيناريو، حتى يعطوا المبررات والحجج للتوجه نحو فلسطين، وذلك لإعتبارات تاريخية ودينية (كونها الأرض الموعودة) حسب زعمهم.  وأن مسألة الأطماع أو لِنَقُلْ المصالح الأجنبية هي قدر وتحدِ لليبيا، ولن تسلم من مخططات التوطين كلما وجد الطرف الفاعل وهْناً وضعفاً من الحكومات المتعاقبة.

ولقد تحقق مشروع التوطين في ليبيا خلال مرحلة الاستعمار الإيطالي، حيث تم مصادرة الأراضي الخصبة من ملاكها لتسلم للمستوطنين والمعمرين الطليان، فتم استجلاب عشرات الالاف من العائلات الإيطالية في الفترة (1922-1943)، وهي محاولة لإحداث تغيير في الديموغرافيا والثقافة والدين في البلاد لصالح القوة الاستعمارية .... ما يهمنا أن الليبيين رفضوا الإندماج في المجتمع الإيطالي  بشكل مطلق وفق الرؤية الاستعمارية، لكنهم تعايشوا معه حتى حين، ثم أجلوا عن البلاد سنة 1970.

ثم جاءت مرحلة لاحقة فتحت البلاد (ليبيا) حدودها للعرب والأفارقة على مصرعيها، دون أدنى شروط الضوابط الأمنية والصحية... ولكن الأهداف السياسية المعلنة والخفية للنظام السابق كانت هي المحرك لخلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، والدخول في نزاعات وخصومات لم يعهدها الليبيون سواء مع دول الجوار وكذلك مع جنوب أوروبا على مدى العصور السالفة. فهذه التركة الثقيلة التي ورثها الليبيون زادت من حدتها اليوم في ظل الإنقسام والتشرذم السياسي، حيث نسمع بفتح ملف التوطين بين الفينة والأخرى، حتى باتت بعض المنظمات المجهولة والمشبوهة، متخذة من حقوق الإنسان واللاجئين مطية للتتطاول على السيادة الوطنية الليبية، وهي محاولات  ممنهجة تنسج خيوطها في عواصم الدول الكبرى لجس نبض الليبيين، وما مدى قبولهم أو رفضهم لمشروع توطين المهاجرين. الخطير في الأمر أن إطالة أمد الأزمة السياسية  بفعل التنافس والصراع على السلطة، سيخلق وضعاً اجتماعياً شاذاً للمهاجرين، ربما يصعب التعامل معه وحله بسهولة.  فالأوربيون والغرب عموماً لهم تجربة فاشلة في إدماج المهاجرين في  بلدانهم، بل وصل الأمر بفرنسا أن أسست وزارة الإندماج، تعاقب عليها وزراء فرنسيين من ذوي البشرة السوداء، ولكنهم فشلوا في إدماج معظم المهاجرين في المجتمع الفرنسي، وبالتالي باتت هاته الدول تصدر هذه التجربة بل المأساة لدول أخرى، وهناك مخطط لقفل البحر أمام زوارق المهاجرين وإعادة كل محاولات التهريب للدولة الوسيطة. وأن ليبيا أكثر الدول المرشحة للتوطين باعتبارها بلد عبور رئيسي، وهكذا يتم توريط الأمم المتحدة ومنظماتها لتبنى حقوق المهاجرين، فهي لن تتوانى في الضغط على الأنظمة الهشة والدولة الفاشلة باسلوب الترغيب والترهيب، وذلك لإقرار صيغة قانونية لتوطين الملايين من المهاجرين بحجة مساحة الأرض الشاسعة وغنى البلاد وتعدد ثرواته، وأن الدولة الغنية الكبرى وهي تبعد شبح الكارثة عليها نراها تقدم الوعود والهبات لتحسين ظروف احوال المهاجرين في مقر إقامتهم المؤقتة اليوم وربما الدائمة غداً، ومع مرور الزمن يصبح الليبيون أقلية أمام خصوبة الأفارقة، وربما ندخل في جدل حول حرية الأديان وحقوق نشر المسيحية بين الأفارقة، وهي مؤامرة خفية ستكشف الأيام عن خيوطها ورموزها وأدواتها إذا لم نستيقظ مبكراً لإفشال هذه المحاولات.

فهذا الموضوع يشكل ناقوس خطر لكل الليبيين وخاصة السياسيين وأصحاب القرار، لذا ينبغي  أن يدركوا جيداً أهمية وخطورة هذا الملف بوعي وبمسؤولية، وعلى الجميع السعي بجدية ليل نهار، لتوحيد الرؤية وننبذ الاختلاف وتحديد موقف تابث لا تردد فيه، ويجب أن نؤكد للعالم أجمع ان  ليبيا لن تكون البلد البديل للمهاجرين، مهما بلغت التحديات أو حجم التهديدات من حصار وتجويع وتركيع، كما ينبغي حذف مصطلح التوطين من القاموس السياسي في أعلامنا، وأن رسالة ومسوؤلية الباحثين والأكاديميين والأعلاميين لهذه المسألة عظيمة، حتى لا تلومنا  الأجيال القادمة  ولا تلحقنا لعنة  التاريخ الذي يسجل ولا يرحم المتهاونين والمتخاذلين  الذي يفرطون في سيادة الوطن. إن هؤلاء المهاجرون كيفما كانت وضعهم، فهم ضيوف مؤقتون يعملون وفق القانون والعقود، عليهم واجبات كما لهم كامل الحقوق، وفي الختام ننبه أنه لا ينبغي الركون على الوقت والهروب من المشكلة، فهي قاب قوسين أو أدنى إن لم نتدارك هذا الكابوس الذي إنا نراه قريباً ويرونه بعيداً.