هل سيكون مؤتمر باليرمو خطوة نحو الأمل ؟

للأستاذ الدكتور محمود أحمد الديك

لا ندري أن اختيار مدينة باليرمو جاء محض الصدفة أم أنه مقصود، وفي كلا الحالتين فالليبيون وكل دول حوض المتوسط ودول الجوار تتطلع لمخرجات هذا اللقاء، المأمول منه توحيد الرؤية السياسة للفرقاء وحلحلة الأزمة والعمل على إستقرار الأوضاع الأمنية والسعي نحو النمو الاقتصادي الذي سيعود بالنفع وبنسب متفاوتة على دول المنطقة. لقد تعودنا منذ الحرب العالمية الأولى وحتى وقت قريب، أن يتم عرض القضايا السياسية وحل المشكلات والصراعات الدولية في عواصم مشهورة أهمها: (باريس، جنيف، برلين ، روما، برشلونة، فيينا، ونيويورك...). وفي الواقع لم تكن تشكل لدينا هذه المدن أهمية بقدر ما كنا ننتظر مخرجات لقاءاتها وقرارتها. ولكن هذه المرة تختلف عن سابقاتها، فباليرمو عاصمة صقلية وتعرف بشيشيليا، والليبيون إلى عهد قريب كانوا يعرفونها جيداً وتربطهم بها علاقات تجارية. وأن معظم الدول الأوربية مقسمة جغرافياً وبشكل عرفي بمناطق الشمال الغنية والمتطورة فكرياً وصناعياً الخ..

 بينما مناطق الجنوب ينظر لها بدونية كونها متخلفة نسبياً، ولعل مناخ جنوب إيطاليا هو اقرب لمناخ شمال افريقيا (ليبيا، وتونس )، فهناك الكثير من التشابه في المزروعات وكذلك بعض الثقافات والعادات الشعبية إلى حد ماء. وحتى وقت ليس ببعيد أي منذ عشر سنوات، لاحظنا أن محيط مدينة باليرمو توجد فيه أحياء أكثر تخلفاً عن محيط مدينة طرابلس. ومن ناحية أخرى فإن باليرمو والجزر المحيطة بها، لها تاريخ طويل مع ليبيا زمن فترة الاحتلال الإيطالي 1911-1943م، حيث أن جزءاً كبيراً من سكان مناطق جنوب إيطاليا قد استوطنوا بعض المدن الليبية وسموا بالمعمرين حتى تم طردهم سنة 1970م. والأهم من ذلك أن الجزر الإيطالية ؛(فافنيانا، سردينيا، اوستيكا، ....) قد استقبلت الاف الليبيين المنفيين الذين قد تعرضوا فيها للإبادة، فمقابر المئات منهم ما زالت شواهدهم قائمة، وكنا في السابق نزور المقابر ونعقد الندوات حول ظاهرة النفي مع المؤرخين الايطاليين في كل عام. وربما أن انعقاد مؤتمر باليرمو هذه المرة سيتفاعل معه سكان الجنوب أكثر من غيرهم، فهم اقرب وجدانياً وقد يتعاطفون مع الليبيين أكثر من سكان الشمال أصحاب النظرة الاستعلائية الفوقية. إن زيارة الوفد الليبي لإيطاليا قد سبقتها رحلات ماكوكية قام بها الأمير محمد إدريس السنوسي وبعض قادة المقاومة في المنطقة الغربية، وكان كل أملهم الحصول على بعض الحقوق السياسية في ظل إيطاليا الاستعمارية، ولكن اليوم الصورة مغايرة تماماً، فالوفد الليبي من المفترض أن تكون له الشخصية الإعتبارية والتحدث بصوت الند والشريك، فليست كل أوراق  اللعبة السياسية لدى الأوربيين، وكل ما نأمله أن الوفد الذي سيشارك في هذا المؤتمر أن يتعرف ولو قليلاً عن تاريخ العلاقات على الأقل بين هذه المدينة والليبين، وأهمها أن يقوموا بزيارة قبور المنفيين الذين ضحوا من أجل الوطن، وأن يتشبتوا بتلك القيم والأهداف التي ضحى من أجلها اجدادهم الذين يرقدون أديم هذه الأرض، وإذا كنا نحن بعيدين عما سيجري هناك، فعلى الوفد الليبي أن لا ينسى أن أرواح اجدادهم  تحيط بهم من كل جانب، ولن تغفر لهم تهاونهم في قضية بلادهم، وأن مسوؤليتهم أخلاقية وتاريخية، ويحملهم الليبيون الأمانة في المحافظة على وحدة الوطن وتجاوز الخلافات، والرقي بمستوى الحوار الدبلوماسي في انتزاع الحقوق المشروعة: اهمها رفض الوصاية المطلقة على ليبيا، والتدخل غير القانوني وغير الأخلاق في شؤون البلاد الداخلية، وعدم قبول أية محاولة لتوطين المهاجرين، والعمل على التفكير جدياً في إعمار ليبيا لتقوم بدورها إقليمياً ودوليا، واعتبار إيطاليا الشريك الأول والرئيس في معركة التنمية.