ملخص
يتناول هذا البحث (أثر الحوار والصراع الفكري على النص الشعري الأندلسي) وكان من الضروري بدايةً توضيح بعض الاتجاهات الفكرية والعلمية الممثلة لثقافة العصر من خلال تمهيد عن الحياة الفكرية في الأندلس إبّان عصر الدراسة الذي يوافق عهد الطوائف والمرابطين، وهو الحد الزمني لهذا البحث. كان المجتمع الأندلسي حافلاً بالعديد من الاتجاهات الدينية ، والفكرية، والفقهية ، واللغوية ، والسياسية ، والفلسفية ، وغيرها ، وقد أدى ذلك إلى بُروز الكثير من الاختلاف في الآراء والأفكار التي عبر عنها أصحابها، كلٌّ حسب ما يجيده من صنعة الكلام ، ومجال البحث في ذلك واسع جداً، إلا أن الشعر هو ما نسعى إلى معرفة تأثير تلك الاتجاهات فيه، وهو الحد الموضوعي الآخر لأركان البحث ، فإذا تم التركيز على اتجاه فكري أو ثقافي فلأنه مرتبط بالشعر بصورة أخرى. وتأتي أهمية البحث في أنه يطلعنا على الأفكار التي أثارت الجدل بين الشعراء في عصر الدراسة، فلقد كُتب البحث وفق خطة تم السعي فيها إلى التعريف ما أمكن بالثقافات الشائعة في الأندلس خلال عصر الدراسة ، وانعكاسها على الحوار بين أصحابها، وهو حوار خاضع لمجموعة من الظروف والدوافع السياسية ، والدينية، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والشخصية، وقد حول الحوار إلى صراع عاد بالضرر على بعض أطرافه، وإن لم يكن ذلك شائعا في المجتمع الأندلسي لأسباب يأتي ذكرها ـ إن شاء الله ـ وعليه فقد قامت خطة البحث على الفصول والمباحث الآتية : الفصل الأول وعنوانه الحوار الديني وأثره في الشعر، استفتحته بتمهيد عن الحوار الديني ، ويحتوي الفصل على مبحثين أولهما الحوار مع أصحاب الأديان الأخرى وأثره في الشعر ، وهو بدوره ينقسم إلى مطلبين ، الأول كان في الحوار مع النصارى ، والثاني في الحوار مع اليهود، ومن ثمَّ المبحث الثاني الذي يدور حول الحوار المذهبي وصداه في الشعر، وفيه ثلاثة مطالب: الأول في الدعوة إلى الظاهرية، و الثاني في الدعوة إلى المالكية، والثالث في النزعة الشيعية . أما الفصل الثاني من البحث فكان في الحوار بين الطوائف الفكرية الأخرى، وانقسم إلى خمسة مباحث ، أولها في الحوار مع الأدباء ، وثانيها في الحوار مع اللغويين ، وثالثها في الحوار مع الساسة ، ورابعها في الحوار مع الفلاسفة، أما المبحث الخامس والأخير في هذا الفصل فكان في الحوار مع الفقهاء. وتناول الفصل الثالث الخصائص الفنية ، وهو ينقسم إلى أربعة مباحث يحتوي كل مبحث منها على مجموعة من المطالب ، فالمبحث الأول كان عن الخصائص الفكرية، واندرج تحته : أولا مفهوم الشعر ، وثانيا الأساس المنطقي للحوار الشعري ، والمطلب الثالث المضمون الفكري والرابع العمق والسطحية ، ثم يأتي المبحث الثاني وهو الأساليب، وقد اندرجت تحته أربعة مطالب : أولها الألفاظ، والمصطلحات ، والمعجم الأندلسي وألفاظ الحضارة ، والثاني الجمل والتراكيب، والثالث التنوع الأسلوبي والرابع التصوير الذي انقسم بدوره إلى الصور المباشرة والصور غير المباشرة من تشبيه واستعارة وكناية ومحسنات، ثم المبحث الثالث الموسيقى : وتشمل البحور والأوزان ، موسيقى الروي ، وموسيقى الحروف ، وموسيقى المحسنات ، وموسيقى التكرار ، الموسيقى الداخلية ، ثم يأتي المبحث الرابع الذي تناولت فيه القيم الشعورية . وسيتضح للقارئ من خلال الدراسة الفنية أن شعر الفكر لايحتوي كثيراً من الصور البلاغية، حيث إن الشاعر في مثل هذه الموضوعات يدفع بالتعبير الفني تجاه وضوح الفكرة والبعد عن كل ما يمكن أن يخفي ملامحها من الزخارف البيانية والبديعية ، ولكن ذلك لا يحول دون وجود خصائص فنية أخرى تتعلق بالألفاظ والتراكيب والأوزان جعلت هذا الشعر مقبولاً من الناحية الذوقية والفنية . ولقد تم انتقاء بعض النصوص الشعرية دون تمييز في دراسة لبعض الجوانب الفنية في القصائد المحتوية على الفكر وتحليلها ونقدها ، فانصبّ ذلك على الأبنية بما تحتويه من ألفاظ وتراكيب بمختلف أنواعها ، وتم البحث من خلالها عن العواطف والأفكار وغيرها. ولم أقصد في هذا البحث إلى ضمّ الأفكار التي لم تنعكس على الشعر في أي صورة من الصور، ولم تقتصر الدراسة على التيارات النظرية فقط، بل اعتبرت الحوار السياسي والاجتماعي ضرباً من الحوار الفكري ، فالحوار السياسي المعبر عن نقد الحكام يمثل تياراً فكرياً ، ولكن مدح هذا الملك أو ذاك لا يمثل تياراً فكرياً، فهو تقليد جرى عليه الشعراء المداحون الذين لايعبرون عن قضية، ولا يمثلون اتجاهاً معيناً، ولذلك تمَّ تجاهل شعر المدح الخالي من الفكرة الفاعلة ، وهكذا فإن النقد الاجتماعي والسياسي يمثل ظاهرة فكرية فاعلة في ذلك العصر، مثل نقد السميسر أو الألبيري ، أو غيرهما من الشعراء الذين عبَّروا بنقدهم لملوك الطوائف أو المرابطين أو للمجتمع الأندلسي والمرابطي بصورة أعم عن تيارٍ فكري يمثل الفكر السياسي بصوت مرتفع، قد يصل إلى درجة الرفض والثورة أو يخفت إلى مرتبة الوعظ والتوجيه والنصيحة. وليس هذا البحث وليد الصدفة أو الاختيار العشوائي ، وإنما كانت لي معه قصة بدأتها في سلك الدراسات العليا في الجامعة ، حينما عرضته علي نخبة من الأساتذة الأفاضل و أشاروا عليّ بأنه موضوعٌ يصلح لأن يكون رسالة ماجستير ، وحثني أغلبهم عليه ، ولكن الحقيقة إن اختيار هذا الموضوع ووصوله إلى التحديد الموضوعي والزماني والمكاني كان أصعب الأمور التي واجهتني ، وذلك بسبب قلة المادة الفكرية التي انعكس تأثيرها على الشعر وعبر عنها الشعراء ، وهو ما دعاني إلى قراءة مجموعات الكتب الفكرية والأدبية والجمع بين هذه وتلك لخلق جسور التأثير والتأثر بين الفكر والشعر. وإن من دواعي اختياري لموضوع حوار وصراع الأفكار في الأندلس ما أحسست به منذ صغري من حب لكل ما هو أندلسي ، وما عرفته عن أعلام تلك البلاد الذين تركوا تراثا مجيدا تفتخر به المكتبة العربية الإسلامة ، والتي عدَّها الكثير من الباحثين السبب الرئيس في قيام حضارة الغرب الحالية ، ومنها كذلك ازدهار الفكر في هذا العصر عصر الطوئف والمرابطين الذي تنوعت فيه المعارفة وتضاربت فيه الآراء . ولقد استخدمت في هذا البحث المنهج التكاملي، حيث لم يسعفني المنهج الواحد في دراسة جوانب هذا الموضوع المتنوعة ، لأني احتجت إلى المنهج الوصفي في توضيح واقع الأفكار والأشعار المعبرة عنها معتمداً على عمليات العرض والتحليل والوصف ، وبالمنهج الاستنباطي غند الحاجة إلى بسط الأدلة والبراهين والاحتجاج والنقض، وأيضا بالمنهج الإحصائي في عمليات الإحصاء التي قمت بها لمعرفة أكثر البحور تداولاً وأكثر حروف الروي استخداما من قبل الشعراء وغيرها من العمليات الإحصائية. ولقد اعتمدت في هذا البحث على المصادر الأصلية في عصر الدراسة بعضها مخطوطات غير محققة ، ومنها ما هو قيد التحقيق، كما استأنست ببعض المراجع التي تخدم البحث، وتضيء جوانبه بما تنفرد به من دراسات وتحليلات جيدة، . وقد مهّدت لكل ذلك ببحث عن الدراسات السابقة حول هذا الموضوع، فلم أجد كُتُباً مستقلة سَلَّطَتِ الضوء على هذا الموضوع، فمجال الفكر في العادة النثر وليس الشعر، غير أن مفكري الأندلس كانوا شعراء ، ومِنْ ثمّ كان الافتراض أنهم أسهموا بشعرهم في بيان فكرهم ، ولكن ذلك لم يُثر اهتمام الدارسين على ما يبدو، فلم يخصصوا له دراسات مستقلة. ولقد كانت الفصول مختلفة من حيث عدد المباحث، فالأول يتكون من مبحثين، والثاني من خمسة مباحث ، والثالث من أربعة مباحث ، وقد اقتضت هذا التقسيم ضرورة ناشئة عن شح المادة الشعرية المعبرة عن بعض الآراء والاتجاهات ، الأمر الذي دعا إلى دمج العديد من المباحث والفصول في خطة البحث الأولية ، وذلك لوجود التكرار أو لتقارب الموضوعات بشكل كبير ، حيث صعب معه إبقاء البحث كما هو في خطّته الأولية . وكان من ضمن الصعوبات التي واجهها الباحث فهم بعض المصطلحات الفلسفية، والأشعار التي لها أكثر من وجه، أو التي تفهم بأكثر من معنى ، واختلاف طبعات المصادر والمراجع التي استخدمها الباحث بسبب انتقاله بين بلدين ـ ليبيا والمغرب ـ واعتماده بالتالي على مكتبات مختلفة، ومن المشاكل التي كانت قائمة منذ بداية البحث قلة شعر الفكر في هذه الفترة ، وهو ما دعا إلى تكرار بعض النصوص ولكن من زوايا مختلفة ، فقد يكون التكرار من أجل الشكل أوالمضمون، أو يكون بسبب جزئية لم يسبق تناولها ضمن معاني البيت. وبعد فإنني أتوجه بالشكر العميق والتقديرالكبير من أعانوني على بلوغ هذه الغاية، وفي طليعتهم أستاذي المشرف الذي كان لملاحظاته الأهمية التامة في تحديد المسار والسيطرة على مجريات البحث، وعلى النصائح والتوجيهات الكريمة التي أبداها لتقويم هذا البحث وتصحيحه، ثم إلى أبي الذي أعانني كثيرا منذ بداية استقلالي لهذا الركب في توجيهي الوجهة الصحيحة، فجزاهما الله عني خير الجزاء، والشكر موصول إلى جميع أساتذتي بالجامعة على كريم عنايتهم وحسن إرشادهم، فلولا توجيهاتهم الكريمة أثناء الدراسة وبعدها لما كان ممكنا لي أن أنجز هذا العمل. وأتوجه بالشكر إلى والدتي الغالية التي أسأل الله أن يعينني على رد بعض فضلها عليَّ، وإلى كل من أعانني على إنجاز هذا البحث، فللجميع تحية تقدير وشكر وإعزاز. وأخيراً وليس آخرا، أشكر صاحب الشكر الذي يقول في محكم كتابه العزيز:وإذ تأذَّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم أحمده حمداً كثيراً وأشكر فضله العميم وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، خادما لدينه الحنيف ، اللهم آمين .
