ملخص
يمثل الشعر جانباً مهماً من التراث العربي، حيث يتناول قيم المجتمعات العربية والإسلامية الفكرية والشعورية والفنية، ويعكس طرق التفكير والتعبير لدى المتميزين من أدبائها ومفكريها، ويُعدُّ تحقيقه من المجالات المهمة التي دأب العلماء والمحققون على الاهتمام بها منذ أوائل العصر الحديث، وقد اشترك في ذلك العرب والمستشرقون وغيرهم، وهم بهذا العمل قد وضعوا الأسس التي بنيت عليها أهم الدراسات الحديثة للشعر العربي، والتي عرفنا من خلالها ملامح هذا التراث الشعري، وخصائصه الفنية، وطبيعة جهود السابقين في مجاله. من هذا المنطلق كان الإقبال على تحقيق هذا النص الشعري ودراسته تحت عنوان (مطلع النيرين: ديوان أبي عبدالله القيراطي ـ الجزء الأول ـ: دراسة وتحقيق) وهو أنموذجٌ لما كان عليه الشعر العربي في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) خلال عصر دولة المماليك بمصر والشام، ويعطينا هذا العنوان إطاراً للحدود الموضوعية الزمانية والمكانية لهذا العمل، فهو يتناول موضوع الأدب في البيئة المصرية خلال الفترة المحددة، ولئن كان الشاعر كثير الترحال نحو الديار المقدسة والشام حيث عاش فترة من حياته في الشام وتوفاه الأجل بمكة المكرمة، فإن خَصَائصَ الأدبِ مشتركة في البيئات الثلاث، وأساس هذه المشاركة هو وحدة التراث الأدبي العربي الذي يستقي منه الشعراء، وتشابه خصائصه الفنية فيها جميعاً. وتسعى الدراسة بذلك إلى خدمة التراث الشعري العربي في فترة زمنية تفتقر إلى الدراسة والتوضيح، لأنها من العصور التي نحسب أنها بقيت في الظل إذا قارنّاها بالعصور العباسية والأندلسية وما قبلها من عصور الأدب العربي. كما أن هذا العصر مثيرٌ للجدل، لأنه من جهة يمثل عصر الموسوعات الأدبية كنهاية الأرب للنويري، وصبح الأعشى للقلقشندي، ومسالك الأبصار للعمري، ومن جهة أخرى فهو موصوف عند بعضهم بضعف الصياغة الأدبية شعراً ونثراً، وهو حكم محلّ نظر كما سنرى من خلال دراسة هذا الأنموذج، ونأمل أن نتمكن من إنصافه عبر دراسة هذا الديوان وتحقيقه واستنتاج الخصائص الفنية والموضوعية في أعماله الأدبية. إن المكانة التي يتبوأها الشاعر إبراهيم بن عبد الله القيراطي بين أدباء مصر تعطي فكرة جلية عن الشعر والشعراء في العصر المملوكي، إذ يحمل شعره العديد من خصائص عصره، مع ما ينفرد به من سمات خاصة تعود إلى ثقافته وشخصيته، ولقد رأيت بعد اطِّلاعي على أدبه وتاريخ حياته في المصادر والمراجع المختلفة أنه لم يُدرس من قبلُ دراسة مستقلة، وأنه من المفيد للباحث أن ينجز هذه الدراسة بعد الاطلاع الوافي على آثاره الأدبية والعديد من المصادر والمراجع التي تناولت الشاعر وعصره وبيئته.
