ملخص
الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه الصّادقين الطّاهرين, ومَن استنّ بسنّته واقتفى أثره إلى يوم الدّين. وبعدُ, فقد تعلّقتْ همّتي -منذ صباي- بكتابِ الله وخدمتِه, فحفظتُه عن ظهر قلب, ومن ثَمَّ اشتغلتُ بتدريسه, في المدارس القرآنية وقتذاك, فكنتُ أعيشُ بين مفرداته ونظمه وبلاغته وإعجازه كلّ لحظة, حتّى أصبحتُ أُردِّدُ قولَه : إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ( ), هذا الكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, تنزيلٌ من حكيم حميد, هذا الكتاب الّذي تكفّل الله بحفظه من التّحريف والتّبديل والتّغيير, حيث قال الله : إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ( ), وقد جَعل اللهُ الخيريّة فيمن يَتعلّمُه ويُعلّمُه, حيث يقول الرّسول الكريم فيما رواه عنه عثمان بن عفّان : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»( ), وليس هذا فقط, بل حَفَظَةُ كتابِ الله هم أهلُ الله وخاصّتُه, يقول الرّسول الكريم فيما رواه عنه أنس بن مالك : «إِنَّ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ», قال أنس : قيل: مَن هم يا رسول الله؟ قال : «أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ»( ). من هذا المنطلق رأيتُ أن أكتبَ في التّفسير؛ لأنّ موضوعَه: القرآنُ الكريم, من حيثُ بيانُ معانيه, وتفصيلُ المراد منه, فهو من أشرف العلوم وأجلّها؛ لتعلّقه بكتاب الله , وهو أوْلى ما يعكفُ عليه الباحثُ، ويلزمُه الدّارسُ. والمؤلّفات في التّفسير كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصى, منها: المطبوع، والمخطوط، والمفقود, والمطبوع منها كثير جدّا, فمنها: التفسير بالمأثور وبالرّأي, ومنها: ما هو ذو اتّجاه نحويّ, ومنها: ما هو ذو اتجاه بلاغيّ, ومنها: ما هو ذو اتّجاه عقدي, كالاتّجاه السُّنـّـيّ, والاتجاه الاعتزاليّ, والاتّجاه الشيعيّ وغيرها. وهذه المرّة آثرتُ أن أخوضَ غمارَ تفسيرٍ من تفاسير المعتزلة؛ لأُقحِم نفسي في هذا المجال, ولأنفض عن ذاكرتي غبار التّكاسل واللّامبالاة, وأُلقي بها في خِضمّ البحث والمعاناة؛ فتُبدعَ وتصنعَ من المستحيل واقِعًا ملموسًا, فوقع اختياري على تفسير (الكشّاف) للزّمخشريّ -عفا الله عنه-. فالزّمخشريّ -عفا الله عنه- مفسِّر مبدِعٌ, قد سمتْ لغتُه, واستقام لسانُه, ولا غرو فهو من كبار أساطين الّلغة والأدب, والبلاغة والبيان, إنّه العلّامة الفهّامة, فريد عصره, ووحيد دهره, الّذي أكّد أنّه "لابدّ للمفسّر من علم البيان والمعاني؛ لإدراك معجزة رسول الله , ومعرفة لطائف حجّته"( )؛ لذلك اخترتُ تفسيرَه الموسومَ: بــ (الكشّاف عن حقائق غوامض التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل)
