ملخص
القرآن الكريم مصدر غني بالخطاب الإلهي الذي يجمع بين الإخبار والإنشاء ويعكس نماذج حوارية متعددة تُظهر أساليب التواصل بين الله سبحانه وتعالى وبين البشر، ومن بين الظواهر اللغوية التي تميز بها القرآن الكريم الأفعال الكلامية التي تعد من أبرز الوسائل التعبيرية التي تعكس وظائف اللغة التواصلية، إذ تعبر عن مقاصد المتكلم، وتسهم في بناء المعاني السياقية والحوارية. وفي سياق العلاقات الأسرية يُظهر القرآن الكريم عناية خاصة بتصوير الحوارات داخل الأسرة ويحظى بمكانة بارزة، كونه وسيلة من وسائل التواصل البشري، ويُعد أحد أهم أشكال الحوار التي تناولها النص القرآني، إذ يشكل أساس بناء العلاقات داخل الأسرة الواحدة، مثل الحوارات بين: الآباء والأبناء، وبين الأزواج، وبين الإخوة، ويعكس القيم الدينية والاجتماعية في الخطاب القرآني. وما يُميّز الحوار الأسريّ من الحوارات الأخرى أنّه ينشأ من مؤسّسة اجتماعيّة تخضع لسياقات وأعراف خاصّة بها، لذلك من الممكن ألاَّ نجد في الحوارات الأسريّة كثيرًا من الأفعال المستعملة في مقامات أخرى، وتكمن أهمية دراسة الأفعال الكلامية في هذه الحوارات في الكشف عن البنية التواصلية التي يستثمرها النص القرآني لبناء نماذج سلوكية وفكرية، توجه السلوك الإنساني وتؤسس لمفاهيم الحوار الفعّال في المحيط الأسري. من هنا تنطلق هذه الدراسة الدلالية؛ لتسبر أغوار الأفعال الكلامية في الحوارات الأسرية القرآنية، بهدف الوقوف على أنماطها، ووظائفها، وتحليل مقاصدها، واستجلاء أثرها في بناء المعنى داخل السياق الأسري، من خلال منهج علمي يجمع بين التحليل اللغوي والدلالة السياقية في ضوء النظريات اللسانية الحديثة، ولا سيما نظرية الأفعال الكلامية التي ظهرت على يد الفيلسوف جون أوستن وتبعه الفيلسوف جون سيرل، ويقصد بها تلك الأفعال التي يُنجز بها الكلام فعلاً مثل: الأمر، والنهي، والاستفهام، والوعد، والنصيحة. وقد اعتمدت في تقسيم الأفعال الكلامية على تقسيم سيرل؛ لأنّه يشمل الاستخدام الفعلي للغة بشكل أوسع:
