ملخص
الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصّالحات، وتُرفع الدّرجات، أحمده سبحانه وتعالى على آلائه ونعمه، وأعوذ به من عذابه وغضبه، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، بعثه بالحقّ بشيرًا ونذيرًا، فبشّر ويسّر، وحذّر وأنذر، حتّى تركنا على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلّا هالك، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واقتفى أثره إلى يوم الدّين. أمّا بعد، فإنّ اللّباس من نعم الله c الّتي امتنَّ بها على البشر، فقد شرع لهم c ما يستر عوراتهم. ولا يختلف البشر أنّ سَتْرَ الإنسان لبدنه فطرةٌ جُبِل عليها؛ ولو لم يكن هناك حَرٌّ ولا بَرْدٌ؛ لهذا كان آدم وحوّاء يستتران نفسيْهِما، ولا وجود لبشر معهما؛ ولذا قال اللهُ c - مبيِّنا أنّ عقوبة كشفِ لباسِهما، كانت لتَرَى أعينُهما سوْءَاتِهما متقابِلَيْنِ بلا داعٍ-: ﴿يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ﴾( ). ولمّا كانت قضيّةُ السّتر تتجاذبُها العقول، وأهواءُ النّفوسِ وشبهاتُها، جاءت الشّريعة الإسلاميّة من الله c ضابطة له وحاكمة عليه بنصوص كثيرة في جميع رسالاتِ الأنبياءِ على كلّ الأمم، وتواتَرَ هذا في القرآن الكريم والسّنة المطهّرة، حيث بَيّن اللهُ c أنّ كشفَ العورات وظهورَ المفاتن غايةٌ قديمةٌ لإبليس اللّعين مع آدم وذريته؛ كما قال c: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ﴾( ). خصوصا ما يتعلّق بلباسِ المرأةِ المسلمة وزينتِها, وما جبله الله c عليها من تمسّكٍ بعفافها وحفظٍ لكرامتها, فقد خلق اللهُ c الإنسانَ على الفطرة وطبعَه عليها، فكانت توافقُ ما جاءت به الشّرائع السّماويّة، قال : ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾( ). ومن أعظم أصول الفطرة بالنّسبة للمرأة: فطرةُ العفاف، كغضّ البصر، وخفض الصوت، وعدم الخضوع بالقول، وإخفاء المفاتن منعا للإثارة، وعدم الاستهانة بالخلوة، والحجاب، وغير ذلك. ولهذا نجد أن جميع الأنبياء بُعثوا على الفطرة مع التّوحيد؛ لأنّ التّوحيدَ أصل العبادات، والفطرةَ أصل المروءات، وقد كان النّبيّ × يدعو بمكّة إلى هذا، فعن ابن عبّاس قَالَ: «أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْت: أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، وَالصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ»( ). والسُّنَّةُ الكونيّةُ: أنَّ العفافَ إن نُزِعَ أوَّلُه، تتابَعَ وتساقَطَ، ومنه حجابُ المرأة ولباسُها، إنْ سقطَ أوَّلُه، تداعَى له آخِرُه، وهذا مُشاهَدٌ في كلّ المجتمعات والشّعوب، حتّى أصبَحَ في كثيرٍ منها عادة مناقضة للفطرة الصّحيحة( ). ونظرا لأهميّة هذا الموضوع من ناحية الشّرع, وما أطال فيه من نفس؛ رأيتُ أن أكتبَ فيه بحثا متواضعا, محاولا قدر الإمكان الإحاطة به من جميع جوانبه, متّخذًا من المنهج الوصفيّ التّحليليّ, والاستقرائيّ النّاقص, والاستدلاليّ؛ سلّمًا للوصول إلى هدف سامٍ ونبيل من خلال توعية أختي المسلمة, بما جاء في كتاب الله c, وما سطّرته السّنّة المطهّرة, حول هذا الموضوع, وهو: اللّباس الشّرعي بالنّسبة لها؛ لتكون على بيّنة من ذلك فتلتزم بدينها القويم, وتلحق بالسّلف الصّالح, فتفوز برضوان الله c ومن ثَمّ السّعادة في الدّنيا والآخرة.
